مقال | الإخوان المسلمون: تهديد عابر للحدود في الأردن والكويت

د. محمد الوهيب

أستاذ مساعد بالفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت

إن الكشف الأخير عن خلية إرهابية في الأردن مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، لا يمكن أن يكون حادثًا معزولا، بل هو تذكير بحقيقة مقلقة: فخلف الخطاب السياسي وخدمات العمل الخيري، تحتفظ جماعة الإخوان المسلمين بروابط فكرية عميقة بالعنف.

هذه الخلية، التي ورد أنها تلقت تدريبًا ودعمًا من عناصر في لبنان، كانت تخطط لاستهداف مواقع أردنية وإسرائيلية بهدف إشعال صراع إقليمي أكبر من غزة. في حد ذاته، هذا تطور بالغ الخطورة، لأنه لا يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الأردني فحسب، بل هو محاولة متعمدة لجرّ البلاد إلى حرب لم تخترها. أما الكويت، والتي تتشابه في بنيتها السياسية والاجتماعية مع الأردن، فعليها أن تقرأ هذا الحدث كتحذير مبكر لا يجب تجاهله.

لقد عملت جماعة الإخوان لسنوات طويلة على ترسيخ صورة “الاعتدال” في وعي الجمهور، لكن التاريخ يروي رواية مختلفة. فمنذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، لم تلبث أن تحوّلت من حركة دعوية إلى تنظيم له جناح سرّي مسلح. ففي الأربعينات، نفذ هذا الجناح سلسلة اغتيالات وتفجيرات، أبرزها اغتيال رئيس الوزراء المصري النقراشي باشاعام 1948. وبعدها بأسابيع، تم اغتيال البنا نفسه، فيما يُعتقد أنه انتقام الدولة. لكن التحول الأخطر جاء مع سيد قطب، المفكر الأكثر تأثيرًا في تاريخ الجماعة. ففي كتابه الشهير “معالم في الطريق”، وضع قطب الأساس الفكري لتكفير الأنظمة “الجاهلية” والدعوة إلى مواجهتها بالعنف. وقد أصبحت كتابات قطب مرجعًا أساسيًا لتنظيم القاعدة، ثم داعش لاحقًا، دون أن تتبرأ الجماعة بشكل واضح من فكره. هذه هي المعضلة الحقيقية: فبينما تنكر الجماعة العنف علنًا، تواصل احتضان منظومة فكرية تغذي التطرف وتنتج فروعًا مسلحة في مناطق النزاع.

يرتبط فرع حماس الفلسطيني ارتباطًا وثيقًا بجماعة الإخوان، بل ويُعتبر أحد أبرز تمثيلاتها العسكرية. وبسبب وجودها في فلسطين المحتلة وجعلها “حركة مقاومة”، إلّا أن سجلها في استهداف المدنيين ممن عارضها (وكلنا يتذكر قتلهم لجماعة “بيت المقدس” السلفية في غزة داخل المسجد بعد صلاة الجمعة، والتي يقال أن القرضاوي هو من أفتى بها؛ وكلنا يتذكر القتل والتعذيب الحاصل الآن للمدنيين في غزة ممن خرجوا في مظاهرات يطالبون حماس بإيقاف الحرب وتسليم الرهائن ومنهم الشاب عدي الربعي التي انتشرت صوره على صفحات الانترنت وأعلنت عائلته الثأر من حماس)، كل ذلك يكشف ويؤكد الأبعاد الأكثر راديكالية في مشروع الإخوان السياسي.

لطالما شكّلت العلاقة بين الإخوان وحماس مصدر قلق للسلطات الأردنية. فالأردن، الذي يضم نسبة كبيرة من السكان من أصل فلسطيني، يعاني من تغلغل خطاب حماس داخل المجتمع، ما يجعل أي دعم تنظيمي أو لوجستي لها تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني. أما في الكويت، فإن التأثير يتجلى من خلال التعاطف الشعبي والسياسي مع حركات “المقاومة الإسلامية”، والذي قد يتحول—خاصة في أوقات الأزمات—إلى دعم فعلي يُغطى تحت لافتة العمل الخيري، ونحن لا زلنا نتذكر فضيحة بناء مستشفى أطفال غزة بعشرة مليون دولار والتي أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عدم معرفتها بها على الإطلاق.

ورغم التباين المذهبي بين إيران الشيعية وجماعة الإخوان السنية، إلا أن التعاون التكتيكي بين الطرفين ليس جديدًا. فإيران، من خلال دعمها لحماس وحزب الله، تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر وكلاء عقائديين يخوضون معارك بالنيابة عنها. هذا التلاقي بين الإخوان وإيران، الذي يتغذى على العداء المشترك للأنظمة العربية المعتدلة، يمثل تهديدًا مزدوجًا لكل من الأردن والكويت: فهو تهديد فكري وأمني، كما أنه اختراق إستراتيجي يهدد سيادة الدول.

يتشارك الأردن والكويت في خصائص عديدة: نظام ملكي، تجربة برلمانية، مؤسسات دينية وتعليمية قوية، واستقرار نسبي وهامش كبير من الحرية. هذه العناصر مجتمعة قد جعلت منهما هدفًا جذابًا لجماعة الإخوان فتتغلغل فيه عبر الفكر لا السلاح فقط.

في الأردن، بات الخطر يظهر في صور عسكرية مباشرة. أما في الكويت، فيتخذ شكل تأثير سياسي وثقافي ناعم يتسلل إلى مؤسسات التعليم والإعلام والجمعيات الخيرية وحركات “المقاطعة”. تختلف المناهج، ولكننا أمام مصدر واحد: جماعة تسعى إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أسس أيديولوجية تتعارض مع الهوية الوطنية.

الرهان على “احتواء” الإخوان عبر إشراكهم سياسيًا ثبت فشله. فالتاريخ، والتطورات الأمنية الأخيرة، والسياق الإقليمي كلها أمور تشير إلى أن مشروع الجماعة ليس إصلاحًا تدريجيًا بل هيمنة أيديولوجية، تتحقق مرة عبر صناديق الاقتراع، وأخرى عبر فوهات البنادق. على الأردن والكويت أن يتحركا بحزم—ليس فقط عبر الأجهزة الأمنية، بل من خلال تحصين الهوية الوطنية، وتعزيز ثقافة الاعتدال، وكشف التناقضات الداخلية لمشروع الإخوان. المعركة الحقيقية ليست فقط مع جماعة، بل من أجل وطن.

By Published On: يوليو 3rd, 2025Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | الإخوان المسلمون: تهديد عابر للحدود في الأردن والكويت مغلقة