مقال | الإخوان المسلمون والإسلام السياسي: أيديولوجيا السلطة وأزمة الدولة المدنية في الخليج

د. علي الطراح

برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت

الإسلام السياسي وتحول الدعوة إلى مشروع سلطة:

يشكّل الإسلام السياسي أحد أبرز الظواهر التي عرفها العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، حيث مثّل محاولة لإعادة صياغة النظام السياسي والاجتماعي وفقًا لرؤية دينية. وتُعد جماعة الإخوان المسلمين من أوائل التنظيمات التي أرست قواعد هذا المشروع، فقد تأسست في مصر عام 1928 كحركة دعوية إصلاحية، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى كيان ذي طموحات سياسية، يسعى إلى إقامة دولة الخلافة الإسلامية باعتبارها الحل الشامل لأزمات الأمة.

الإخوان المسلمون من الدعوة إلى دولة الخلافة:

غير أن هذه الرؤية، ورغم حيويتها في مراحل تاريخية معينة، افتقرت إلى وضوح منهجي وفكري، خاصة من قبل مفكري التيار الإسلامي الذين لم يتمكنوا من بلورة مشروع نهضوي حقيقي يعالج تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. هذا القصور الفكري ترافق مع إخفاقات قومية كبرى، تمثّلت في سقوط حركة القوميين العرب وتداعيات النكسة، وهو ما أدى إلى فراغ سياسي ساهم في عودة الحركات الإسلامية إلى الواجهة، وعلى رأسها جماعة الإخوان.

سقوط المشاريع القومية وصعود التيارات الإسلامية:

ترافق هذا التحول مع تراجع المشاريع القومية، التي كانت تسعى إلى النهضة على أسس عربية وعلمانية. بعد النكسات الكبرى، وتحديدًا بعد هزيمة عام 1967، بدا أن الأمل في التغيير انتقل من التيار القومي إلى التيارات الدينية، التي رأت في الإسلام إطارًا شاملاً للحكم والمجتمع، وقدّمت نفسها بديلًا قادرًا على إصلاح ما أفسده السياسيون.

التجربة المصرية وصعود مرسي: فشل السلطة قبل التمكين:

شكّلت الانتخابات المصرية التي أوصلت محمد مرسي إلى سدة الحكم عام 2012 نقطة تحول تاريخية، إذ بدت لأول مرة جماعة الإخوان في موقع السلطة بأكبر دولة عربية. إلا أن التجربة سرعان ما انتهت بفشل ذريع، بعد أن كشفت عن عجز الجماعة في إدارة الدولة، وضعف رؤيتها لمؤسسات الحكم المدني، مما أدى إلى سقوطها السياسي السريع.

فشلت الجماعة في تقديم خطاب وطني جامع، وبدت كأنها تسعى إلى السيطرة لا المشاركة، فافتقدت للحنكة السياسية وأثارت صراعات داخلية ومجتمعية أنهكت البلاد وأضعفت ثقة المواطنين بها.

الاختراق التعليمي: كيف شكّلت جماعة الإخوان عقول الأجيال؟

ولم يكن التأثير الإخواني محصورًا في المجال السياسي فقط، بل امتد إلى بنية التعليم والثقافة، خصوصًا في دول الخليج العربي. فقد تمكنت الجماعة على مدى عقود من النفاذ إلى المناهج والأنظمة التعليمية، وساهمت في صياغة وعي أجيال كاملة، لا سيما في دولة الكويت، التي ظل فيها تأثير الفكر الإخواني واضحًا، سواء من خلال المعلمين أو المناهج أو الجمعيات التربوية.

وفي المقابل، نجحت دول خليجية أخرى مثل السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، وسلطنة عمان في إعادة بناء مناهجها التعليمية، وإعادة هيكلة مؤسساتها التربوية بما يتماشى مع متطلبات الدولة الحديثة، وسعت إلى الحد من التأثيرات الأيديولوجية في التعليم. أما الكويت، ورغم محاولات الحكومة الحالية لإعادة بناء التعليم وفق رؤية وطنية جديدة، إلا أنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة بسبب تراكمات تاريخية ونفوذ فكري طويل الأمد.

احتلال الكويت: الموقف المتذبذب للإخوان وانكشاف الطموح السلطوي:

ولعل موقف جماعة الإخوان المسلمين من احتلال الكويت عام 1990 يؤكد البعد السياسي الانتهازي للجماعة، حيث لم تُظهر موقفًا حاسمًا تجاه الغزو العراقي، مما أثار استياء شعبيًا واسعًا. وقد ساهم ذلك في إعلان الحركة الإسلامية في الكويت انفصالها عن التنظيم الدولي للإخوان، في خطوة اعتُبرت محاولة للتماهي مع الواقع الوطني وتجاوز الضغوط الشعبية.

إلا أن هذا الانفصال لم يكن قطيعة فكرية حقيقية، بل خطوة براغماتية لتجميل الصورة. فالحركة في الكويت، رغم الاستقلال التنظيمي، ظلت وفية للفكر الإخواني من حيث المنهج والأيديولوجيا. فالجماعة تاريخيًا عُرفت بالبراغماتية السياسية، والقدرة على التكيف وتغيير الخطاب بما يتناسب مع السياق، دون التنازل عن أهدافها الكبرى.

تجارب الخليج: بين إصلاح التعليم وقيود الأيديولوجيا:

لقد مثّلت التجربة الخليجية نموذجًا متنوعًا في التعامل مع الفكر الإخواني، خصوصًا في مؤسسات التعليم والدولة. ففي حين اختارت دول مثل السعودية والإمارات مواجهة هذا الفكر بوضوح، عبر إصلاحات شاملة في المناهج وتفكيك البُنى التي تسربت منها الأفكار الإخوانية، لا تزال دول أخرى، مثل الكويت، تسير في طريق الإصلاح، ولكن بخطى بطيئة وبمقاومة مجتمعية واضحة.

يظهر ذلك جليًا في النقاشات المتكررة حول تحديث المناهج، وقضايا الحريات، ودور الجمعيات الدينية في العمل العام، ما يدل على أن الصراع الفكري لا يزال قائمًا، وإن تغيرت أدواته وساحاته.

الإخوان والدولة المدنية: مأزق الفكر السياسي العقائدي:

تكمن الإشكالية الكبرى في الفكر السياسي الإخواني في إصراره على الوصول إلى السلطة دون تقديم مشروع نهضوي حقيقي أو تصور واقعي للدولة الحديثة. وبهذا، تصبح فكرة “دولة الخلافة” كما تطرحها الجماعة طرحًا لا مكان له في السياق العربي الحديث، في ظل تحولات الدولة الوطنية وتعقيدات النظام الدولي.

يرى العديد من الباحثين أن مشروع الجماعة قائم على “احتكار الصواب الديني”، مما يُقصي الآخرين، ويهدد التعددية، ويضع الإسلام كدين في مواجهة الدولة المدنية، وهو ما عمّق من أزمة الثقة بين الشعوب وهذه الحركات.

نحو مواجهة فكرية عقلانية مع الإسلام السياسي:

إن مواجهة الإسلام السياسي، وخاصة الطرح الإخواني، لا ينبغي أن تكون مقتصرة على البُعد الأمني أو السياسي، بل يجب أن تكون مواجهة فكرية، واعية، عقلانية، تسعى إلى فضح تناقضات هذا المشروع، وتسليط الضوء على غياب الرؤية الواقعية فيه.

فالإسلام دينٌ سامٍ، لا يجب أن يُختزل في برامج حزبية أو شعارات انتخابية. المطلوب اليوم هو ترسيخ مشروع الدولة المدنية، القائمة على المواطنة، وفصل الدين عن التوظيف السياسي، وبناء أنظمة تعليمية ومجتمعية تحرّر الإنسان من أسر الأيديولوجيات المغلقة، وتنفتح على قيم العدالة، والكرامة، والحرية.

By Published On: أكتوبر 13th, 2025Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | الإخوان المسلمون والإسلام السياسي: أيديولوجيا السلطة وأزمة الدولة المدنية في الخليج مغلقة