
مقال | التعليم في الكويت… أزمة أولوية قبل أن تكون أزمة موارد

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
لا يخفى على أحد أن التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء الإنسان، ومن دونه لا يمكن لأي دولة أن تحقق تنمية حقيقية أو تستعد لمستقبل سريع التغير، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي فرضها الذكاء الاصطناعي على سوق العمل ومهارات المستقبل. ومع ذلك، ما زال التعليم في الكويت يعاني من تعثر واضح، وكأنه خارج سلم الأولويات الوطنية، رغم حساسية المرحلة وخطورة التحديات القادمة.
لقد مرت وزارتا التربية والتعليم العالي خلال السنوات الماضية بمراحل مؤسفة، لا سيما في اختيار بعض القيادات التي لم تكن على مستوى المسؤولية. فالحصول على شهادة الدكتوراه، رغم أهميته الأكاديمية، لا يعني بالضرورة الكفاءة القيادية أو القدرة على إدارة منظومة تعليمية معقدة. وقد أثبتت التجربة أن بعض من تولوا المسؤولية لم يمتلكوا الرؤية أو الأدوات اللازمة للنهوض بالتعليم، مما أدى إلى مزيد من التراجع بدل الإصلاح.
وإذا أخذنا جامعة الكويت مثالًا، وهي ثاني جامعة تأسست في المنطقة، ندرك حجم الفجوة بين ما كانت عليه في السابق وما آلت إليه اليوم. فقد تراجع مستوى التعليم الجامعي بشكل ملحوظ، إلى درجة أن بعض الجامعات الخاصة باتت تتفوق عليها في جوانب أكاديمية وإدارية عدة، وهو أمر يدعو للقلق والتأمل. كما أن البنية الأكاديمية نفسها تحتاج إلى مراجعة جريئة، بما في ذلك إعادة هيكلة بعض الكليات ودمجها، فدمج كلية الشريعة مع كلية الحقوق، على سبيل المثال، قد يسهم في تعزيز التكامل المعرفي وتحديث البرامج بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة وسوق العمل.
ومن أخطر المؤشرات التي تهدد مستقبل التعليم، التغيرات المؤسفة في القيم المهنية لدى بعض أعضاء هيئة التدريس. فالمشكلة لم تعد إدارية يمكن علاجها بإجراءات شكلية، مثل نظام البصمة للحضور والانصراف، إذ إن هذه الأدوات لن تغير الواقع ما دام عضو هيئة التدريس يعاني من إشكالية في ضمير العمل والالتزام الحقيقي برسالة التعليم. فالتعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، وحين تغيب هذه القناعة، تتحول اللوائح إلى مجرد إجراءات بلا أثر.
وقد انعكس هذا الخلل القيمي في ممارسات عدة، من أبرزها تركيز بعض أعضاء الهيئة التدريسية على تدريس المواد الإضافية بهدف العائد المالي، على حساب جودة التعليم والتفاعل الأكاديمي، إضافة إلى تحويل بعض المقررات والكتب الجامعية إلى مصادر ربح، بدل أن تكون أدوات معرفية تخدم الطالب وتطوره. وأي تعليم تُغيب فيه الأخلاق المهنية هو تعليم مهدد في جوهره، مهما توفرت له الموارد أو الإمكانات.
ويزداد الأمر خطورة عندما نلتفت إلى وسائل التقييم، التي لم تعد في بعض الحالات تعكس التقييم العادل القائم على الإنجاز والكفاءة الأكاديمية، سواء للطلبة أو لأعضاء هيئة التدريس، بل أصبحت تتأثر بعوامل أخرى لا تمت بصلة مباشرة لجودة الأداء. وعندما يفقد التقييم نزاهته وموضوعيته، تفقد المؤسسات التعليمية إحدى أهم أدواتها في التطوير والمساءلة، ويتحول التعليم إلى عملية شكلية خالية من الأثر الحقيقي.
إن إصلاح التعليم في الكويت لا يبدأ بتغيير المناهج فقط، بل بتغيير الرؤية، واختيار القيادات الكفؤة، وإعادة بناء منظومة القيم التي تحكم العملية التعليمية، وربط المسؤولية بالإنجاز الحقيقي. فنحن اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن نعيد للتعليم مكانته كأولوية وطنية حقيقية، باعتباره صانع الإنسان والمستقبل، أو نستمر في دفع ثمن التراجع جيلاً بعد جيل، في عالم لا ينتظر المتأخرين.






