
مقال | الخمور بين المنع المطلق والتنظيم القانوني

م.حمد الفواز
مهندس معماري وكاتب
إعادة النظر في قوانين تجريم الكحول أصبح ضرورة ملحّة. فتقنين بيعه وفق اشتراطات قانونية واضحة، وفي أماكن محددة، سيحمي الدولة والمجتمع من العديد من السلبيات التي نشهدها اليوم، مثل انتشار الخمور المغشوشة والمستوردة عبر السوق السوداء، وما يرتبط بها من جرائم غسيل أموال. إضافةً إلى الأضرار الصحية الخطيرة الناتجة عن الكحول “المحلي” الرديء الصنع، وقد شهدنا مؤخرا حادثة مأساوية أودت بحياة عدد كبير من العمالة الوافدة! المنع وغياب تنظيم بيع الخمور بأنواعها يترك المجال مفتوحاً لعصابات التوزيع التي ترتبط في الغالب بخلفيات إجرامية، وتجمع بين تهريب الكحول وممنوعات أشد خطراً وفتكاً بالمجتمع كالمخدرات وأنشطة غير مشروعة أخرى بما يشكل تهديداً مباشراً للأمن الاجتماعي والصحي للدولة. من المهم التأكيد أن الدعوة إلى تقنين بيع الخمور لا تعني بأي شكل من الأشكال الترويج لمعاقرته أو المساس بالمنظور الديني الذي يحرّمه “بالغالب”، بل هي محاولة لانتقال من سياسة المنع المطلق التي أثبتت آثارها السلبية، إلى سياسة تنظيم واقعية تتعامل مع ممارسة واسعة الانتشار بين البشر جميعا لا تفرق بين مواطنين ومقيمين، مسلمين أو من ديانات أخرى. ولنا في تجربة التعامل مع الربا مثال واضح، فهو من كبائر الذنوب، بل إن القرآن الكريم أعلن الحرب عليه صراحة: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ – البقرة. ومع ذلك، تم تقنينه عبر البنوك التقليدية، إلى جانب إيجاد بدائل مصرفية إسلامية. وبالقياس، فإن تقنين بيع الكحول والمشروبات الروحية في أماكن مرخصة وتحت رقابة واشتراطات، كما هو معمول به في معظم دول الخليج، قد يكون خطوة عملية تساهم في الحد من مشكلات التهريب، واتجاه الشباب للمخدرات الخطيرة، وتحمي المجتمع من تداعيات المنع غير الواقعي. ربما حان الوقت في الكويت لإعادة النظر بهذا الملف الشائك، وفتح باب النقاش المجتمعي حول تقنين بيع الخمور، بما يوازن بين الثوابت الدينية والمصلحة العامة.






