
مقال | الكويت .. ميزان الخليج

م.حمد الفواز
مهندس معماري وكاتب
مع تصاعد مؤشرات التوتر داخل البيت الخليجي، يبرز دور الكويت بوصفها ركيزة أساسية في حفظ توازن المنظومة الخليجية، لا استنادا لاجراءات شكلية أو معطيات ظرفية فحسب، بل نتيجة نهج سياسي محنك أثبت فاعليته عبر عقود من الزمن وعديد من الأزمات العاصفة.
تمتلك الكويت خصوصية نادرة في محيطها الإقليمي، فهي لا تحمل سجل عدائي مع أي طرف، ولا تنتهج سياسات توسعية، ولم تُعرف يوماً باستخدام أدوات الضغط أو الابتزاز السياسي. ولهذا نالت ثقة أطراف إقليمية ودولية متباينة.
لم تكن هذه السمعة وليدة ظرف سياسي عابر، بل نتيجة مواقف أخلاقية وإنسانية راسخة، كان في مقدمتها موقفها الثابت من القضية الفلسطينية، ما أسهم في ترسيخ صورة إيجابية للكويت كدولة عقلانية في محيط إقليمي يغلب عليه منطق الحسابات الفردية.
تستمد الكويت هذه المرونة من سجل سياسي خال من النزاعات التاريخية، ومن مدرسة دبلوماسية عقلانية تعمّق حضورها في عهد المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي أسّس مدرسة متكاملة في إدارة الأزمات، تقوم على الحكمة وتهدئة التوتر، وتقديم قنوات الحوار على استعراض القوة. وقد حصدت هذه المدرسة رصيد أخلاقي وسياسي جعل من الكويت وسيط موثوق به في الملفات الخليجية والإقليمية المعقدة.
إن التباينات بين الأشقاء، لا سيما في ملفات إقليمية شائكة مثل اليمن، لا تنعكس فقط على العلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء، بل تمس جوهر منظومة مجلس التعاون الخليجي، التي تأسست على مبدأ التكامل والتضامن والأخوة، وترتكز في عمقها الاستراتيجي على المملكة العربية السعودية بما تمثله من ثقل جغرافي وسياسي وأمني وديني، وهو أمر تؤمن به جميع دول الخليج دون استثناء.
لا يقتصر أثر هذه التوترات على دوائر صنع القرار، بل يلامس وجدان جيل كامل من أبناء الخليج، وخصوصاً جيل الثمانينات وبداية التسعينات، الذي نشأ في كنف هذه المنظومة. جيل تربّى على مشاهد قمم القادة، وتشرب ثقافة المصير المشترك، وعايش عملياً معنى التضامن الخليجي، خاصة إبان الاحتلال العراقي للكويت عام 1990، حين شكّل الموقف الخليجي الموحد سندا تاريخيا لنا ككويتيون لن ننساه ما حيينا.
من هنا، ترسخت في الذاكرة الجمعية صورة الخليج كبيت واحد، ولم يكن مجلس التعاون مجرد إطار سياسي، بل مظلة أمان وحاضنة تنموية وثقافية وأمنية آمنت بها الشعوب قبل الحكومات. واليوم، ومع تعقّد المشهدين الخليجي والإقليمي، يكتسب الدور الكويتي أهمية مضاعفة في ظل قيادة تدرك حساسية اللحظة، وتعمل على خفض حرارة الخلافات دون ضجيج. فالكويت لا تواجه مشكلة خيار سياسي، بل اختبار لدورها الاستراتيجي التي عرفت فيه. وفي زمن التصدعات الكبرى، لا يكون الحياد سياسة .. بل مخاطرة. والكويت خُلقت لتكون ميزان الخليج وحارس توازنه.






