مقال |المواطنة المسؤولة في الأزمات: ركيزة الاستقرار في الكويت والخليج

د. خالد مهدي

أستاذ مشارك في جامعة الكويت، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية

ليست الأزمات هي الاختبار الحقيقي للدول، بل الطريقة التي يتصرف بها المجتمع عند وقوعها، فبينما تمتلك الحكومات أدوات الإدارة والسيطرة، يبقى سلوك المواطنين العامل الأكثر حسماً في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستُحتوى ضمن حدودها، أم ستتسع بفعل ردود فعل غير محسوبة. وفي الكويت ودول الخليج العربية، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع تحولات اقتصادية متسارعة وتعقيدات إقليمية متزايدة، لم يعد من الممكن النظر إلى إدارة الأزمات باعتبارها مسؤولية حكومية خالصة، بل أصبحت شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، يكون فيها المواطن عنصرًا فاعلًا في إنتاج الاستقرار، لا مجرد متلقٍ لتداعياته.

الكويت تمتلك تجربة راسخة في التماسك المجتمعي خلال الأزمات، حيث أثبتت في أكثر من محطة تاريخية أن وعي المواطن وانضباطه يمكن أن يشكلا خط الدفاع الأول عن الدولة، إلا أن التحدي اليوم لا يكمن في استحضار هذه التجارب، بل في تحويلها إلى نموذج مستدام يتلاءم مع بيئة أكثر تعقيدًا، تتسم بسرعة تدفق المعلومات ووفرتها واتساع تأثير السلوك الفردي اتجاهها. وفي هذا السياق، تتجاوز المواطنة المسؤولة بعدها الأخلاقي لتصبح مفهومًا سياساتيًا بامتياز، إذ لم يعد السلوك الفردي، سواء في تداول المعلومات أو الالتزام بالتعليمات أو التفاعل مع الأحداث يقف عند حدود الفرد الشخصية بقدر ما هو متغير مؤثر في كفاءة الاستجابة الوطنية، فالمواطن المسؤول لا يكتفي بالامتثال، بل يمارس دورًا واعيًا يقوم على التحقق من المعلومات، وتجنب تضخيم المخاطر، ودعم محيطه الاجتماعي، بما يعزز مناعة المجتمع ككل.

وفي المقابل، فإن السلوك غير المسؤول، حتى وإن بدا محدودًا، قد يؤدي إلى نتائج تتجاوز حجمه بكثير، ففي بيئة رقمية مفتوحة، يمكن لشائعة واحدة أن تقوض الثقة العامة، ويمكن لممارسات فردية مثل الاحتكار أو التهويل أن تخلق أزمات موازية قد تكون أكثر تعقيدًا من الحدث نفسه، وهنا لم تعد إدارة الأزمات تقتصر على التعامل مع الحدث، بل أصبحت تشمل إدارة السلوك المجتمعي المصاحب له.

ومن منظور السياسات العامة، يفرض هذا الواقع إعادة تعريف مفهوم الجاهزية الوطنية ليشمل، إلى جانب الجاهزية المؤسسية، ما يمكن تسميته بالجاهزية المجتمعية، وهي التي تقوم على بناء وعي جمعي قادر على التعامل مع الأزمات بعقلانية، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة. كما أن تكامل أدوار فئات المجتمع يكتسب أهمية خاصة في السياق الخليجي، فالتاجر مسؤول عن استقرار السوق، والإعلامي شريك في ضبط الخطاب العام، والأكاديمي عنصر أساسي في تقديم التحليل العلمي، ورجل الدين داعم للاتزان المجتمعي، بينما يبقى المواطن هو العامل الحاسم في ترجمة هذه الأدوار إلى واقع ملموس.

وقد أظهرت التجربة الكويتية في إدارة الأزمات أن القيادة الواعية والقريبة من المجتمع تمثل عاملًا حاسمًا في تعزيز الاستقرار، حيث نجحت القيادة الكويتية عبر محطات مختلفة في تبني نهج يقوم على التوازن بين الحزم والاحتواء، وعلى التواصل المستمر والشفافية، بما عزز الثقة العامة ورفع مستوى الالتزام المجتمعي. كما ساهمت سرعة اتخاذ القرار، وتنسيق الجهود بين مؤسسات الدولة، والانفتاح على المجتمع في خلق حالة من التماسك الوطني، جعلت من المجتمع شريكًا في إدارة الأزمة، لا عبئًا إضافيًا عليها، وهو ما يعكس نموذجًا يمكن البناء عليه في مواجهة التحديات المستقبلية.

أما الدولة، فدورها لم يعد يقتصر على إدارة الأزمة، بل يمتد إلى إدارة العلاقة مع المجتمع من خلال الشفافية والتواصل الفعال وبناء الثقة، فكلما ارتفع مستوى هذه الثقة، زادت فاعلية السياسات العامة، وتراجعت الحاجة إلى التدخلات الصارمة. إن التحدي الحقيقي أمام الكويت ودول الخليج العربية اليوم لا يكمن فقط في القدرة على التعامل مع الأزمات عند وقوعها، بل في بناء نموذج مستدام من المواطنة المسؤولة يكون جزءًا من الثقافة العامة، لا استجابة مؤقتة لظروف استثنائية، وهذا يتطلب إدماج هذا المفهوم ضمن السياسات التعليمية والإعلامية والتنموية، بحيث يتحول إلى سلوك متجذر في بنية المجتمع.

المعادلة واضحة: كلما ارتفع وعي المواطن، انخفضت كلفة إدارة الأزمات على الدولة؛ فالمواطنة المسؤولة ليست قيمة معنوية فحسب، بل رافعة استراتيجية للأمن والاستقرار.

By Published On: مارس 23rd, 2026Categories: مقالاتالتعليقات على مقال |المواطنة المسؤولة في الأزمات: ركيزة الاستقرار في الكويت والخليج مغلقة