
مقال | النهج الإسرائيلي المتطرف وتحدي السلام: مسؤولية عالمية

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
يمر الشرق الأوسط بمنعطف حاسم، حيث تتقاطع الطموحات السياسية مع روايات دينية وتاريخية مشحونة. من بين أبرز التحديات التي تواجه المنطقة، يبرز النهج الإسرائيلي المتطرف، الذي يكرّس سياسات الإقصاء والتوسع والهيمنة تحت غطاء أيديولوجي ديني مستمد من قراءة متشددة لبعض نصوص التوراة. هذا النهج لا يشكل خطرًا على الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد مستقبل السلام والتعايش في المنطقة بأكملها.
إن سياسات الاستيطان، والتمييز العنصري، والاعتداءات على المدنيين، ومحاولات تغيير هوية القدس، تُعد تعبيرًا مباشرًا عن هذه الرؤية المتطرفة. وهي رؤية تتناقض ليس فقط مع القوانين الدولية، بل مع المبادئ الأخلاقية والإنسانية التي قامت عليها المجتمعات المتحضرة، بما في ذلك المجتمع اليهودي ذاته.
وفي خضم هذا المشهد المظلم، تبرز مسؤولية أخلاقية وتاريخية تقع على عاتق اليهود، خصوصًا من يؤمنون بالديمقراطية وحقوق الإنسان، لمناهضة هذا النهج. إن السكوت عن هذا التطرف أو تبريره يُعد مشاركة غير مباشرة في تغذية الكراهية والعنف، بينما يُفترض أن يكون الصوت اليهودي المنصف والمعتدل شريكًا في صياغة مستقبل يسوده العدل.
لقد بادرت العديد من الدول العربية بمدّ يد التعايش وكسر جدران الكراهية التاريخية، في خطوات جريئة نحو الاعتراف بالآخر والتأسيس لمستقبل مشترك. لكن لا يمكن لأي مبادرة سلام أن تنجح ما دام اليمين المتطرف الإسرائيلي يسعى لإقصاء الآخر وتجريده من حقوقه. فالتعايش لا يُبنى على القوة، بل على الاعتراف المتبادل والعدالة والاحترام.
إن مسؤولية تفكيك التطرف ليست مهمة خصومه فقط، بل هي مسؤولية الداخل اليهودي ذاته. فالصمت أو الانحياز الأعمى يسهم في إدامة الصراع. وحده الاعتراف بالخطأ والضغط الداخلي يمكن أن يوقف نزيف الكراهية ويؤسس لسلام حقيقي يستفيد منه الجميع.
فالماضي لا يجب أن يحكم الحاضر، وإذا أراد العالم مستقبلًا بلا كراهية، فعلى الجميع، بمن فيهم اليهود، أن يقفوا ضد كل أشكال التعصب، أينما وجدت.
كما يجب أن نُدرك أن استمرار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يُستخدم كذريعة لتغذية الفكر الجهادي المتطرف في العالم الإسلامي. هذا الفكر يجد في مشاهد الظلم والاحتلال والتهميش مادة دعائية لتحفيز الكراهية والتجنيد، مما يُهدد أمن المنطقة والعالم.
ولعل المبادرة السعودية، التي تُعد من أبرز الدعوات الجادة لإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وفق حل الدولتين، تمثل خطوة استراتيجية لقطع الطريق على هذه التيارات المتطرفة. فقيام دولة فلسطينية مستقلة لا يُحقق فقط العدالة للشعب الفلسطيني، بل يسحب البساط من تحت أقدام الجماعات الجهادية التي تتغذى على غياب الحلول السياسية.
لذلك، فإن العدالة ليست فقط قيمة أخلاقية، بل أداة أمنية لحماية الشعوب من التطرف، وتأسيس بيئة مستقرة ترفض التلاعب الديني والسياسي بقضايا عادلة.






