
مقال | مأزق الدور الإيراني: التأجيج ليس الطريق

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
لغة التحريض والتعدي على سيادة لبنان، كما ورد في تصريحات الوزير الإيراني عباس عراقجي، لا تسهم إلا في تعميق الأزمات وتوسيع فجوات التباعد بين دول المنطقة. إيران اليوم بحاجة إلى مراجعة جذرية لخطابها وسلوكها السياسي، والاعتراف بأن لغة القوة والتدخل لم تعد مقبولة في عالم يفرض التعايش كضرورة لا خيارًا.
لقد فقد مفهوم “الممانعة” معناه ومضمونه، بعدما تحوّل إلى غطاء لتدخلات إقليمية، وتبرير لوجود ميليشيات مسلحة خارجة عن سلطة الدولة. الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لا يعني أبدًا دعم الكيانات غير الشرعية، ولا يعني التورط في صراعات لا طائل منها. حلّ الدولتين بات يحظى بدعم إسلامي، عربي، ودولي واسع، ويُعد المسار الأكثر اتزانًا لتحقيق سلام عادل وشامل.
المشكلة الحقيقية اليوم تكمن في العقل القيادي الإيراني الذي لا يزال متمسكًا بنموذج تصدير الثورة والتوسع الأيديولوجي، بدلًا من الانكفاء نحو الداخل لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل المواطن الإيراني. المجتمع الدولي يطالب إيران بلعب دور إيجابي ومسؤول، قائم على احترام السيادة والتنوع، لا على نشر الفوضى وتعميق الانقسامات.
أما الانتماءات والانقسامات المذهبية، فهي ظواهر مجتمعية عالمية، لكن من يستغلها ويحوّلها إلى أدوات صراع هم الأحزاب والدول التي تتغذى على التفكك وتتوهم أن قوتها تنبع من الانقسام، لا من الاستقرار.
مسار السلام في المنطقة يمضي وفق رؤية دولية تتكامل فيها الجهود السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى إسرائيل أن تدرك، بالمقابل، أن التعصب والتطرف لا يصنع أمنًا، وأن القوة العسكرية وحدها عاجزة عن تحقيق الأمان طويل المدى. التعاطي مع سكان غزة ومع الواقع الفلسطيني عمومًا لا يمكن أن يظل قائمًا على القصف والقتل الجماعي، لأن حربها الأخيرة فقدت أي مبرر أخلاقي أو سياسي.
وفي المقابل، فإن على “حماس” أن تتحمل مسؤولياتها الإنسانية والسياسية، وتُقدم فورًا على تسليم جميع الرهائن دون قيد أو شرط، بما يتماشى مع القوانين الدولية ومع المبادئ الأخلاقية التي تدّعي التمسك بها. استمرار احتجاز المدنيين لا يخدم القضية الفلسطينية، بل يُفاقم العزلة ويُبرر العنف المضاد.
لقد عادت “حماس” اليوم مرفوضة بسلاحها، تمامًا كما هو حال “حزب الله” وكل الميليشيات التي تتجاوز سلطة الدولة. زمن السلاح الخارج عن الشرعية في طريقه إلى الأفول، لأن الشعوب ملت الدمار، وترغب في البناء والمشاركة والتنمية.
أما الفكر الجهادي، فقد أصبح من الماضي، ولم يعد يجد له موطئ قدم في واقع جديد يُعيد تعريف مفاهيم الشرعية والنضال والمقاومة. الدبلوماسية، لا الحرب، هي لغة الحضارة، ومسؤولية الجميع اليوم أن يتبنوا خطابًا جديدًا قائمًا على الشراكة لا المواجهة.
إن رهان المرحلة المقبلة هو على العقل والاعتدال، وعلى إدراك أن التعايش ليس ضعفًا، بل شجاعة سياسية وأخلاقية تعكس نضج الدول والشعوب.





