مقال | مجلس الوزراء يضع أربعة عشر شرطاً.. ويسقطها بالضربة القاضية

د. أحمد عبدالمحسن المليفي

دكتور في القانون الدستوري وعضو سابق بمجلس الأمة

نشرت الصحف اليومية أخيراً أن مجلس الوزراء أقرّ أربعة عشر شرطاً للاستعانة بالمتقاعدين من أبناء الوطن في مختلف المحافظات.
ولستُ أختلف مع جوهر الفكرة، بل أجدها غاية في الجمال ونفَسًا وطنيًا كريمًا، فكم في المتقاعدين من كفاءات تراكمت خبراتهم، والاستفادة منهم يحقق منفعة كبيرة للوطن ولهم.

غير أنَّ المشكلة – كما العادة – ليست في الفكرة، بل في طريقة تنفيذها.
فـما هكذا تُورَد الإبل يا مجلس الوزراء!
لو أمعنّا النظر في تلك الشروط، لوجدناها أشبه بظلٍّ باهتٍ لفكرةٍ عظيمة، تقليدية المضمون، عقيمة الأثر، لا تتجاوز حدود النماذج الورقية التي لا ترى في الموظف إلا اسماً يُسجَّل وبصمةً تُرصد.

هي شروطٌ تتحدث عن الحضور والانصراف، لا عن العطاء والإنجاز، عن الشكل لا عن الجوهر، وكأنها وُضعت لإشباع الشكل الإداري لا لإحياء روح الكفاءة والإنجاز.
لسنا ضد الشروط والانضباط، فلابد من ضوابط تراعي المؤهل والخبرة والقدرة الصحية والعقلية، غير أنَّ الحكمة كانت تقتضي أن تُدار الفكرة بمرونةٍ وعدالةٍ وابتكارٍ، لا بعددٍ جامدٍ من الأفراد.

كان الأجدر أن تُخصَّص لكل محافظة ميزانية محددة – لنقل ألفي دينار كويتي شهريًا – تُدار وفق حاجة العمل، فيُستعان بثلاثة مستشارين أو أربعة، وفق طبيعة المهام، لا وفق رقمٍ مُعلَّق في الهواء.
ولكي تكون الاستعانة ذات جدوى، يُحدَّد قبل التعيين الهدف المطلوب، والمهمة المكلف بها المتقاعد، والمدة الزمنية، والمكافأة المناسبة.
فرب مهمةٍ تُنجز في شهر، وأخرى تحتاج عامًا كاملًا، ولكلٍّ أجره وفق جهده ونتيجته، لا وفق حضوره وعدد أيامه.

إننا اليوم في عهدٍ جديدٍ، رسم سمو الأمير – حفظه الله – ملامحه في خطاب العهد ووثيقته، حيث دعا إلى كويتٍ حديثةٍ، تُبنى على الفكر المتجدد والإدارة الرشيدة.
ومن هنا كان لزامًا على الأجهزة التنفيذية أن تواكب هذا التحوّل بعقليةٍ جديدةٍ، تُبدع ولا تُكرّر، تُفكّر ولا تُقلّد، وتتحرّر من أسر النمط التقليدي الذي كبّل القرار الإداري عقودًا طويلة.

لكن المؤسف أن تلك الشروط، على بساطتها، وقعت في فخ الاستثناء كان الأجدر بالحكومة أن تتجنّبه.
ذلك الاستثناء الذي نُسف به القرار من أساسه، إذ سُمح للوزير أن يُعفي من الشروط متى شاء، ففُتح الباب على مصراعيه لـهذا ولدنا، وأُغلِق باب الكفاءة والعدالة.

وهكذا، أُسقط القرار بالضربة القاضية؛ إذ لا قيمة لقانونٍ يُنقض باستثناءٍ واحد، ولا فائدة من شروطٍ تُلغى بمجرد توقيعٍ في الهامش.
حينها تصبح الاستثناءات قاعدة، فتضيع العدالة في التفاصيل.

فـ لاطبنا… ولا غدا الشر.
وسلامتكم..

By Published On: نوفمبر 24th, 2025Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | مجلس الوزراء يضع أربعة عشر شرطاً.. ويسقطها بالضربة القاضية مغلقة