
مقال | الكويت والخليج والعدوان الإيراني، بين رمادية الدخان و..المواقف!!!

د. سليمان الخضاري
طبيب نفسي وكاتب صحفي
قبل أيام، خرجت من بيتي فرأيت الدخان الرمادي يعلو فوق مطار الكويت، والنيران تشتعل في أحد صهاريج الوقود، ولم يكن المشهد في تلك اللحظة مجرد حريق عابر يمر كما تمر الأخبار الثقيلة في هذا الزمن المضطرب، بل كان شيئًا أعمق من ذلك بكثير، كان لحظة حزن خالص على وطن يُمسّ، وجرحًا بصريًا ينفذ مباشرة إلى القلب، لأن بعض المشاهد لا تُقاس بما تخلّفه من أثر مادي فقط، بل بما توقظه في النفس من خوف على الوطن، وبما تستدعيه من ذاكرة، وبما تفرضه من وضوح مؤلم!
في تلك اللحظة، لم أرَ فقط نارًا تشتعل ودخانًا يتصاعد، بل رأيت أيضًا شيئًا آخر لم يعرفه كثير من شباب هذه الأيام إلا من الصور أو من روايات من عاشوه، وهو مشهد آبار النفط المشتعلة زمن الغزو العراقي للكويت، حين كان الدخان يغطي السماء، لا بوصفه أثرًا للحريق فقط، بل بوصفه جرحًا في كرامة الوطن، وإهانة في هيبته، وانتهاكًا موجعًا لطمأنينته، وما أقسى أن تعود الذاكرة الوطنية إلى مثل هذا المشهد، وإن اختلف المعتدي، واختلفت الشعارات التي يتخفى خلفها هذا العدوان البغيض!
كان أكثر ما استوقفني يومها أن هذا الدخان الرمادي، على قسوته، بدا كأنه يرسل استعارة جاهزة، فما قد يُقبل في لون الدخان لا يجوز أن يُقبل في لون المواقف، فقد يكون من طبيعة الدخان أن يميل إلى اللون الرمادي، لكن ليس من شرف المواقف أن تميل إلى اللون نفسه، وبعض المشاهد لا تحرق الوقود فقط، بل تحرق أيضًا مناطق مهمة في الوعي والضمير، وتسقط عن المواقف حق الالتباس!
ما جرى ويجري لا ينبغي أن يُقرأ بلغة مترددة، ولا أن يُوضع في منطقة رخوة بين الإدانة والمواربة، فحين تصل النار إلى مطار الكويت، ويعلو الدخان في سمائها، وتصبح مرافقها الحيوية في مرمى الاستهداف، لا يعود مقبولًا أن تبقى اللغة نصف واضحة، أو أن تبقى المواقف معلقة بين نعم ولا، ففي مثل هذه اللحظات، يصبح الوضوح واجبًا لا مزاجًا، وتغدو الصراحة وفاءً لا تشددًا!
إيران اليوم ليست في موقع يُختلف في توصيفه، ولا في مساحة تقبل الأخذ والرد، إيران اليوم عدو معتدٍ على الكويت ودول الخليج، وهذه ليست عبارة تُقال بدافع الغضب وحده، بل حقيقة يفرضها الفعل نفسه، فمن يرسل النار إلى الوطن، أو يهدد أمنه، أو يعبث بطمأنينته، أو يضع سماءه ومنشآته في موضع الخطر، لا يبقى موضوعًا لتأويلات مريحة، ولا مجالًا للغة ملتبسة، ولا قضية تُحاط بالعاطفة لتخفف من حقيقتها العارية!
المشكلة في المشروع الإيراني ليست فقط في العدوان حين يظهر في صورته المباشرة، بل في ذلك الغلاف السميك الذي حاول أن يكسو نفسه به من لغة المذهب ودفء العاطفة وشعارات أكبر من الحقيقة، وبهذا التضليل انخدع بعض الناس، أو ترددوا طويلًا في تسمية الأشياء بأسمائها، أو ظنوا أن المشروع يمكن أن يبقى في منطقة بين مكانين، فلا هو صديق صريح ولا هو عدو معلن، لكن بعض الأحداث تأتي لتحسم ما كانت اللغة المترددة تؤجله، وحين يرتفع الدخان من أرض الكويت، لا يعود جائزًا أن نستبقي هذا الالتباس، ولا أن نؤجل الحكم، ولا أن نتعامل مع العدوان كما لو كان مجرد خلاف سياسي بين مشاريع متنافسة!
إن الوطن، في لحظات كهذه، لا يحتاج من أبنائه إلى بلاغة باردة، بل إلى وضوح نقي، فلا يحتاج إلى من يقفون على مسافة واحدة بين النار والمطار، ولا بين المعتدي والضحية، ولا بين الخطر والأرض التي يهددها، لكنه يحتاج فقط إلى ولاء لا يتلعثم، وإلى مواقف لا تستعير لون الدخان، فالكويت لا تستحق من أبنائها أنصاف الكلمات، ولا أنصاف الإدانات، ولا أنصاف التبريرات!
من هنا، فإن على الدولة أن تكون في غاية الحسم، لا لأن الحسم غاية في ذاته، بل لأن أمن الوطن لا يُصان بالتردد، فمن حق الكويت، بل من واجبها، أن تفعل كل ما يلزم لحماية أرضها وسمائها ومنشآتها وسلامة من يعيش عليها، ومن حقها أن تضرب بيد ثابتة على كل من يهدد استقرارها، أو يفتح ثغرة في جدارها الداخلي، أو يلتبس عليه موضع العدو وموضع الوطن، فحين تكون النار على هذا القرب، لا يعود التهاون رحمة، ولا التردد اتزانًا، ولا اللغة المريحة دليل حكمة!
لست أكتب هذا من باب الانفعال المجرد، ولا من باب الحماسة التي تبحث عن خصم لتصرخ في وجهه، بل أكتبه من زاوية أبسط وأصدق، وهي أن الأوطان، حين تُجرح، تكشف معادن من فيها، وتكشف من يقف معها بقلب صافٍ، ومن يبقى أسير تردده، ومن يحاول أن يمنح العدو مهلة إضافية في اللغة بعدما تجاوز كل حدود الفعل، وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون السؤال الحقيقي ماذا حدث، بل أين نقف نحن مما حدث!
أقولها بوضوح، الكويت والخليج تحت عدوان إيراني مباشر، ولا مجال البتة للوقوف مع من يعتدي على الوطن، ولا مع من يبرر له، ولا مع من يخفف من حقيقته أو يلبسه ثوبًا غير ثوبه، وقد نقبل أن يكون للدخان لونه الرمادي، فهذه طبيعته، أما مواقفنا مع الوطن، فلا عذر لها إن اتخذت اللون نفسه، لأنه لون لا يليق بالموقف حين يكون الوطن في مرمى العدوان، فالوطن حين يُعتدى عليه، لا يقبل المواربة، ولا تنفعه اللغة التي تؤجل الحقيقة، ولا يحميه إلا صفاء الموقف حين تتلبد السماء، ووضوح الرأي حين يحاول الدخان أن يربك البصيرة!
حفظ الله الكويت أميرًا وحكومةً وشعبًا، وحفظ الله دول الخليج، وأبقى في قلوبنا من صفاء الانتماء ما لا تعكره الحرائق، ولا يداخله رماد الأدخنة.. والألوان





