
مقال | بين الوهم والواقع: إعادة تعريف الدور العربي في عالم متغير

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
في ثقافتنا العربية، كثيرًا ما نميل إلى تأجيل مواجهة الواقع بدل التعامل معه بوضوح. هذا التأجيل لا يمثل حلًا بقدر ما هو شكل من أشكال الهروب، حيث نُبقي القضايا الكبرى معلّقة بانتظار ظروف أفضل قد لا تأتي. هذه الذهنية لم تقتصر على الأفراد، بل امتدت إلى المؤسسات والقرارات السياسية، فانعكست على أداء العمل العربي المشترك وأدخلته في حالة من الجمود المزمن.
عند العودة إلى غزو الكويت 1990، يتضح أن جامعة الدول العربية لم تتمكن من لعب دور حاسم أو موحد، رغم جسامة الحدث. كان ذلك الاختبار كافيًا لكشف محدودية القدرة على بناء موقف عربي جماعي فعّال. ومن هذا المنطلق، فإن استغراب ضعف المواقف العربية في أزمات اليوم، بما فيها التوترات مع إيران، يبدو غير مبرر؛ لأن جذور المشكلة أعمق وأقدم.
الواقع الحالي يفرض قراءة مختلفة: الاعتماد على الجامعة العربية كركيزة للأمن أو كأداة تأثير فعلي لم يعد واقعيًا. فالعالم اليوم لا يُدار بالشعارات، بل بمنطق المصالح والتحالفات. ومن هنا، يصبح بناء تحالفات مرنة قائمة على تبادل المصالح أكثر فاعلية من التعويل على أطر تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة التحديات المتسارعة.
وفي سياق الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فإن صعود التيارات اليمينية المتطرفة داخل إسرائيل أسهم في تعقيد المشهد، وإضعاف فرص الوصول إلى تسوية سياسية عادلة. هذا الواقع فتح المجال أمام تنامي ما يُعرف بـ“المقاومة الإسلامية”، التي تطرح نفسها كبديل في ظل تعثر المسار السياسي. إلا أن دور هذه التيارات لا يقتصر على المواجهة مع إسرائيل، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
في هذا الإطار، تتقاطع بعض هذه التيارات—بشكل مباشر أو غير مباشر—مع رؤى إقليمية أوسع مرتبطة بسياسات إيران، سواء من حيث أساليب المواجهة أو طبيعة الصراعات الممتدة. هذه الديناميكيات لا تعطل فقط مسار الدولة الفلسطينية، بل تفتح المجال لصراعات أوسع تتجاوز حدود القضية نفسها.
وهنا تبرز دول الخليج كلاعب رئيسي في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل لما تمتلكه من ثقل اقتصادي واستقرار سياسي. هذا الثقل يجعلها هدفًا غير مباشر لمحاولات إعادة توزيع النفوذ في المنطقة، حيث تسعى بعض القوى إلى تقليص هذا الدور أو التأثير عليه عبر خلق بيئات توتر مستمرة. وفي المقابل، لا تقتصر قوة دول الخليج على إمكاناتها الفردية، بل تكمن أهميتها الحقيقية في إمكانية بناء نموذج تكامل إقليمي فعّال قائم على توزيع الأدوار وتنسيق القدرات. فبعض الدول تمتلك ثقلًا اقتصاديًا وماليًا، وأخرى تمتاز بموقع جغرافي استراتيجي أو قدرات لوجستية، بينما تتمتع دول أخرى بخبرات سياسية أو استثمارية متقدمة. هذا التنوع، إذا ما أُحسن توظيفه، يمكن أن يتحول إلى منظومة متكاملة تعزز من الاستقرار الإقليمي وتزيد من القدرة على التأثير الدولي. إن الانتقال من منطق العمل الفردي إلى اتحاد قائم على التكامل الوظيفي لا يعني الذوبان أو فقدان السيادة، بل يهدف إلى تحقيق كفاءة أعلى في مواجهة التحديات، وبناء قوة جماعية قادرة على التفاوض والتأثير في عالم تحكمه التكتلات الكبرى.
في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: إذا كانت دول الخليج من أكبر الممولين لـ جامعة الدول العربية، أليس من حقها المطالبة بإعادة هيكلة هذه المؤسسة؟ التمويل يجب أن يقابله تأثير وإصلاح، لا مجرد استمرار في نموذج تقليدي يستهلك الموارد دون تحقيق نتائج ملموسة. إعادة الهيكلة هنا لا تعني إلغاء الدور، بل تحويله إلى كيان أكثر كفاءة وتركيزًا على الأولويات الواقعية.
وفي عالم اليوم، لم تعد القوة تُقاس فقط بالقدرات العسكرية، بل بالاقتصاد والشراكات الاستراتيجية. وهنا تمتلك دول الخليج فرصة حقيقية، إذ يمكن لقوتها الاقتصادية أن تتحول إلى أداة فاعلة في بناء تحالفات جديدة، وصياغة دور إقليمي أكثر تأثيرًا واستقلالية.
في النهاية، الاستمرار في التعويل على الأطر التقليدية بصيغتها الحالية هو استمرار في تأجيل مواجهة الحقيقة. المرحلة تتطلب وضوحًا وواقعية: إعادة تعريف الأدوات، وبناء تحالفات قائمة على المصالح، وتوظيف عناصر القوة المتاحة بذكاء. فالمستقبل لا يُبنى على ما نأمله، بل على ما نملكه من قدرة على الفعل والتكيف في عالم لا ينتظر أحدًا





