مقال | بين عالمين: ما بعد الجائحة وما بعد الحرب… أزمة العقل والاتجاه!

د. علي الطراح

برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت

لم يعد العالم كما كان قبل جائحة كوفيد-19، ولم تعد المنطقة كما كانت قبل التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إذ لم نعد نعيش مجرد مرحلة انتقالية، بل نقف داخل تشكّل عالمين متداخلين: عالم ما بعد الجائحة وعالم ما بعد الحرب، بكل ما يحمله ذلك من ارتدادات سياسية وفكرية عميقة، حيث لم تكن خسائر ما بعد كورونا صحية فقط، بل أصابت بنية الدولة الحديثة نفسها، فتراجعت الثقة بالمؤسسات، وتصاعدت النزعات القومية، وتعمّق الشعور بعدم اليقين، وهو ما مهّد الأرض لعودة أشكال أكثر حدّة من الاستقطاب، وأعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل وبين الحقيقة والسلطة.

وفي ظل هذا التآكل البنيوي، جاء التصعيد العسكري ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، إذ لم تعد الحرب – أو شبحها – مجرد صراع جيوسياسي، بل تحولت إلى أداة لإعادة رسم النفوذ والولاءات في المنطقة، حيث يتقدم اليمين الإسرائيلي المتطرف بخطاب ديني-قومي حاد، في مقابل نموذج إيراني قائم على ولاية الفقيه، في منافسة واضحة مع مفهوم الدولة الوطنية، ورغم اختلاف هذين النموذجين، إلا أنهما يتقاطعان في نقطة جوهرية تتمثل في إضعاف فكرة الدولة المدنية الجامعة لصالح الهويات المغلقة، وهو ما يضع المجتمعات أمام معادلة خطرة بين الدين والسياسة والسلطة.

وفي المقابل، تقف النخب العربية في موقع إشكالي، إذ لم تنجح في إنتاج مشروع فكري وسياسي مستقل، بل انقسمت بين من ارتهن لنماذج خارجية، ومن احتمى بخطابات أيديولوجية “مقدسة” ظنًا أنها طريق الخلاص من التخلف، لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا، حيث تعمّقت التبعية، وتزايد العجز عن قراءة الواقع وتحليل تحولاته، وهو ما انعكس بوضوح في الانقسام العربي والإسلامي تجاه أي تهديد لدول الخليج، إذ لم يتشكّل موقف تضامني عقلاني، بل ظهرت أصوات تشفٍّ أو تبرير، وكأن الصراع لا يمسّ الأمن الجماعي، في دلالة واضحة على خلل عميق في مفهوم الدولة والانتماء.

وتتجلى هذه الأزمة بصورة أكثر حدة في العراق، حيث تتنازع الدولة قوى وفصائل تتجاوزها، ما يطرح سؤال السيادة بشكل مباشر، ويعيد طرح إشكالية: هل الدولة هي الإطار النهائي للولاء، أم أنها مجرد ساحة مفتوحة لصراعات أكبر منها؟ وهو سؤال يتكرر بصيغ مختلفة في أكثر من سياق عربي، ويكشف عن هشاشة البنية الوطنية في مواجهة التحديات الإقليمية.

ولا يمكن فهم هذا المشهد المركّب دون التوقف عند دور الإعلام ووسائل التواصل، التي لم تعد مجرد ناقل للأحداث، بل تحولت إلى فاعل رئيسي في تشكيل الوعي وتوجيهه، ففي زمن السرعة الرقمية تُصاغ المواقف قبل اكتمال الوقائع، وتُبنى القناعات على مقاطع مجتزأة وسرديات منحازة، وهكذا يتكرّس الانقسام لا بوصفه نتيجة طبيعية للخلاف، بل كمنتج يومي يُعاد إنتاجه عبر الشاشات والمنصات، ومع هذا التدفق غير المنضبط للمعلومات يصبح الوعي الجمعي هشًا، سهل الاستقطاب، وعرضة للتوجيه، بما يعمّق الأزمة بدل أن يفتح أفقًا للخروج منها.

وفي عمق هذا المشهد، تبرز أزمة الهوية بوصفها أحد أخطر أوجه الاختلال، إذ لم تنجح الدولة الوطنية في ترسيخ ولاء يتجاوز الانقسامات الأولية، وبين صعود الهويات الدينية والمذهبية من جهة، وتراجع المشروع القومي من جهة أخرى، وجد الفرد نفسه موزعًا بين انتماءات متنازعة لا يجمعها عقد اجتماعي واضح، وهذه الهشاشة لا تنتج فقط انقسامًا سياسيًا، بل تعمّق قابلية المجتمعات للاختراق والاستقطاب، وتجعل من أي صراع خارجي ساحة مفتوحة لصراعات داخلية مؤجلة.

وعليه، فإن الخروج من هذه الدائرة لا يكون عبر الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل عبر إعادة بناء المفاهيم الأساسية: الدولة، المواطنة، السيادة، والانتماء، إذ بدون ذلك سنظل نعيش في عالمين متداخلين، نُستَهلَك داخل تداعياتهما، ونُساق مع تحوّلاتهما، ونحصد نتائجهما، فيما يظل دورنا مؤجلاً على هالتاريخ لا في صلب صناعته.

By Published On: مايو 4th, 2026Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | بين عالمين: ما بعد الجائحة وما بعد الحرب… أزمة العقل والاتجاه! مغلقة