مقال | الانقطاع الطويل عن الحياة الطبيعية… بين كلفة التعود وضرورة العودة المنظمة!

د. علي الطراح

برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت

إطالة الانقطاع عن الممارسة الحياتية الطبيعية ليست مجرد ظرف عابر، بل حالة قد تتحول مع الوقت إلى نمطٍ مألوف يصعب كسره. فكلما طال الابتعاد عن العمل الحضوري والتعليم المباشر، ترسّخت لدى الأفراد عادات جديدة تجعل العودة أكثر ثقلاً نفسيًا وسلوكيًا. الإنسان بطبيعته يتكيّف، لكن هذا التكيّف قد يعمل في اتجاهٍ معاكس، فيُرسّخ العزلة ويجعل الخروج منها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

ومن المهم هنا الإشارة إلى البعد السيكولوجي لهذه الظاهرة؛ فالتكرار الطويل لحالة الانقطاع لا يمر دون أثر على السلوك، بل يؤدي إلى تعوّد نفسي تدريجي على النمط الجديد من الحياة. ومع الوقت يصبح الانكفاء عن العمل الحضوري أو التفاعل المباشر أمرًا مألوفًا ومريحًا نسبيًا، حتى لو كان أقل كفاءة، مما يجعل العودة لاحقًا تحتاج إلى تكيف نفسي وسلوكي حقيقي، لا مجرد قرار إداري.

وقد جاءت مرحلة كورونا لتُعمّق هذا التحول، إذ أدت إلى ترهلٍ في بعض أنماط التعلم والعمل، وخلقت في حالات عديدة شعورًا بتفوق غير منضبط أو غير متكافئ نتيجة التقييمات المرنة والظروف الاستثنائية، مع ما رافق ذلك من آثار على الجاهزية الفعلية. كما أنها جنّبت بعض الطلاب مخاطر الفشل المباشر في استكمال التعليم الجامعي، خصوصًا في سياق البعثات الخارجية، لكنها في الوقت نفسه تركت آثارًا تراكمية على المهارات العملية والاستعداد الحقيقي لسوق العمل.

ومن هنا، فإن العودة إلى الحياة الطبيعية ليست مسألة قرار إداري فحسب، بل عملية إعادة تأهيل نفسي واجتماعي. فاستئناف العمل الحضوري يعيد الانضباط والإيقاع اليومي، ويعزز الإنتاجية والتواصل الإنساني الذي لا يمكن أن تعوّضه الشاشات بالكامل. كما أن التجربة أثبتت أن الحلول الاستثنائية تُدار بمنطق المرونة لا الاستدامة، وإلا تحولت إلى نمط يُضعف البنية الأساسية للعمل والتعليم.

وكذلك التعليم، إذ لا يكفي نقله إلى الفضاء الرقمي دون بنية ثقافية ومنهجية راسخة؛ فالتعليم عن بُعد ليس مجرد بديل مؤقت، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى مهارات وانضباط وأدوات تربوية مختلفة، وعندما يُمدّد دون تأصيل، يفقد جزءًا كبيرًا من فعاليته. فالمشكلة لا تقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل تمتد إلى مهارات أساسية مثل الانضباط، والتواصل، والعمل ضمن بيئة جماعية، وهي مهارات لا تُكتسب إلا بالممارسة المباشرة.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تجربة بعض المؤسسات التعليمية مثل جامعة الكويت، حيث إن لوائح التعليم عن بُعد لا تُلزم الطالب أو الطالبة بالكشف عن الصورة في بعض المنصات، الأمر الذي كشف في بعض الحالات عن إشكاليات في الحضور والمشاركة، إذ قد يظهر بعض الطلبة كمشاركين فعليين رغم محدودية التفاعل الحقيقي. وهذا يسلّط الضوء على أهمية ترسيخ مفهوم “الثقافة الرقمية” بوصفها مسؤولية وسلوكًا، لا مجرد حضور شكلي أمام الشاشة.

وفي الواقع، لم تنقطع الحياة حتى في عزّ الأزمات؛ فقد استمر الناس في الذهاب إلى الأسواق والمقاهي بدرجات متفاوتة، لأن الحاجة إلى التفاعل والعيش لا يمكن تعطيلها بالكامل. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المجتمع يملك قدرة فطرية على التكيّف والاستمرار، حتى في الظروف الصعبة.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في الانقطاع، بل في كلفته المتراكمة؛ إذ إن استمرار التوقف يضعف الإنتاجية، ويخلق فجوات تعليمية، ويُفقد الأفراد مهارات التفاعل والانضباط. ومع الوقت، لا يعود الأمر مجرد تأجيل، بل يتحول إلى نمط حياة بديل يصعب التراجع عنه، فتغدو العودة أكثر كلفة وتعقيدًا مما لو تمت في وقتها الطبيعي.

وفي المقابل، فإن المبالغة في تأجيل العودة بحجة استمرار الأزمات، رغم وجاهة هذا القلق، قد تؤدي إلى ترسيخ هذا النمط من الانقطاع، وتجعل المجتمع أكثر هشاشة على المدى الطويل. فالتعوّد على الغياب قد يتحول إلى عائق حقيقي أمام استعادة الإيقاع الطبيعي للحياة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التوقف أو الاستمرار، بل في إدارة التوازن بينهما. فالمجتمعات لا تُقاس بقدرتها على التوقف، بل بقدرتها على استعادة إيقاعها الطبيعي في الوقت المناسب دون أن تفقد توازنها. العودة التدريجية والمنظمة للحياة الطبيعية ليست فقط ضرورة اقتصادية، بل حاجة نفسية واجتماعية تحافظ على تماسك المجتمع، وتمنع ترسّخ أنماط الانقطاع التي يصعب الخروج منها لاحقًا. إنها عودة واعية، تعيد للإنسان دوره كفاعل في مجتمعه، لا كمنسحبٍ منه

By Published On: مايو 5th, 2026Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | الانقطاع الطويل عن الحياة الطبيعية… بين كلفة التعود وضرورة العودة المنظمة! مغلقة