
مقال | دعوة للاصطفاف الوطني ونبذ الطائفية

م.حمد الفواز
مهندس معماري وكاتب
إخواني وأخواتي مواطنين الكويت الحكماء والشرفاء ..
في ظل ما نمر به من ظروف استثنائية، ومع تصاعد التوترات الإقليمية وما يحيط بنا من أخطار، يصبح من أخطر ما قد نواجهه اليوم هو إشعال فتيل الفتنة داخل مجتمعنا، وزرع الشك والريبة بين أبنائه، في وقت نحن فيه بأمس الحاجة إلى التكاتف والتماسك.
كإنسان وطني يؤمن بالدولة المدنية تحت شعار الله الوطن الأمير، يؤلمني ما نشهده من تراشق واتهامات بين بعض أبناء المجتمع لإثبات وطنية هذا أو نفيها عن ذاك. فلا يحق لأي فئة أن تحتكر مفهوم الولاء، أو توزع صكوك المواطنة على غيرها، كما لا يجوز محاسبة جماعة بأكملها على أفعال أفراد منها، أو تعميم الاتهام على طائفة تضم مئات الألوف بسبب قلة متطرفة أو مغيبة.
نعم، هناك متطرفون، كما أن هناك خونة، فلسنا استثناءً من بقية المجتمعات. فالنفس البشرية ضعيفة، والعقول الخاوية أكثر عرضة للاستقطاب والأدلجة، خصوصاً حين يستغل الدين ليصبح أداة سياسية للكسب والنفوذ، بدلاً من كونه علاقة روحانية تبعث الطمأنينة في النفس.
وما يحزن أكثر هو ما نراه من تنابز وتحقير وتلاقب بالسوء بين بعض الأفراد، ممن وجدوا في هذه الظروف فرصة للتشفي أو تصفية حسابات دينية وسياسية قديمة. هؤلاء حالات شاذة لا تمثل المجتمع الكويتي، الذي عُرف عبر تاريخه بالتلاحم والوحدة في الأزمات.
ولا بد من التأكيد أن المجتمع الكويتي، دولةً وشعباً يرفض الخطاب الطائفي والعنصري، ومن لم يردعه ضميره فالقانون كفيل بردعه، وعلى رأسه قانون الوحدة الوطنية الذي يجرّم كل من يسعى لإثارة الكراهية والبغضاء.
لذلك، وجب علينا الوقوف بحزم أمام هذه الأصوات، ورفض أقوالها، ومنعها من التمادي في الإساءة لأي مكون من مكونات المجتمع. فإذا كنا نؤمن حقاً بقاعدة “لا تزر وازرة وزر أخرى”، فكيف نقبل بشق صف المجتمع ونحن بأمسّ الحاجة إلى وحدته؟
أفلا نعتبر إلى الدول التي أنهكتها الحروب الطائفية كالعراق وسوريا، كيف فرقت بين أبنائها وجعلتهم يتقاتلون ويكرهون بعضهم بعضاً؟ هل نريد أن نسير في الطريق ذاته، أم نختار أن نتشارك في بناء وطن عادل يتسع للجميع؟
لا يحق ولا نقبل لأي مواطن سني التشكيك بولاء أي مواطن شيعي بسبب القبض مؤخرا على خلايا إرهابية أو ممولين لها. ولا يحق لأي مواطن جعل الغير موضع شبهه لصدفة زمكانية جعلته يعتنق مذهب مختلف ما ..
الأصل في المواطنة العدل وحسن الظن في الآخرين، وتعميم الإتهام والإكثار من التوهم الشكي سيجعل أي مواطن من أي مذهب أو مكون آخر بالإحساس بأنه مقصي ومنبوذ، ويشيع إحساس بوصمة عار عليه تفنيدها والدفاع عن موقفه أمام بقية المجتمع تجاه أمر لم يكن له أي دور فيه.
كما أن الأسئلة الاستفزازية من قبيل .. أين موقفك؟ لماذا لم تستنكر؟ هل أنت مع أو ضد؟ لا تخدم إلا في تعميق الانقسام، وتدفع البعض إلى التظاهر بمواقف لا تعكس قناعاتهم الحقيقية، وهو ما يخلق حالة من الرياء المجتمعي نحن في غنى عنها.
دعونا لا ننسى بأن الإرهاب والتطرف لا دين له ولا مذهب، فالتطرف السني لا يقل شناعة عن التطرف الشيعي، وكلاهما وجهان لعملة واحدة عنوانها الكراهية والدمار.
ألم يستهدف إرهابيون سنّة أبناء الطائفة الشيعية بتفجير مسجد الصادق عام 2015 وسقط على إثره العشرات من الشهداء؟ ألم تختصر دمعة أمير الكويت الراحل الشيخ صباح الأحمد المشهد حين قال “هذولا عيالي” دون أن يفرق بين أبنائه؟
ألم يستهدف تنظيم أسود الجزيرة التابع للقاعدة الكويت عام 2005، فقتل وجرح رجال الأمن؟ وهجوم فيلكا قبلها؟ ناهيك عن الخلايا الداعشية التي تم ضبطها قبل تنفيذ مخططاتها مؤخرا وكان من بينها معلمون وعسكر وطلبة بالمرحلة الثانوية!
نبذ الطائفية واجب وطني مقدس أثناء الحروب والأزمات، ونشرها والتباهي بالاشتباه في الآخر هي خيانة للوطن والمواطن. وواجب على كل مواطن شريف حكيم غيور على وطنه تجنيد كل طاقته وجهوده للحفاظ على النسيج الوطني، والابتعاد عن إشاعة الفوضى والتشققات الدينية. فجميع الهويات الصغرى يجب أن تذوب فداءً للوطن خاصة عندما تتعارض مع أمنه ومصالحه، فالوطن يأتي أولا وأخيراً.
بالنهاية دعونا نبتعد عن الهمز واللمز، وعن السخرية والتشفي، فذلك لا يخدم إلا أعداء الوطن، الذين يتربصون بأي شرخ داخل مجتمع متماسك يعيش في محيط إقليمي مضطرب قد يشتعل في أي لحظة.





