مقال | طهران.. من «نوفل لو شاتو» إلى موسكو وبكين تاريخ من التحالفات وخطاب من الاتهامات

د. أحمد عبدالمحسن المليفي

دكتور في القانون الدستوري وعضو سابق بمجلس الأمة

ينتقد النظام الإيراني دول الخليج بسبب معاهداتها وتحالفاتها مع الولايات المتحدة الأميركية، ويجعل من ذلك مبررًا للعدوان على سيادة هذه الدول، عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويُصوّر هذا السلوك وكأنه موقف سياسي وأخلاقي مشروع.
وكأن هذا الخطاب يتجاهل التاريخ، أو يتعامل معه بذاكرة انتقائية قصيرة كذاكرة السمك.

فالتاريخ يشهد، منذ نشأة النظام الإيراني عام 1979، أنه لم يقم إلا عبر تحالفات دولية متغيرة، بل ومتعارضة، فرضتها اعتبارات المصلحة السياسية، لا الشعارات الأيديولوجية.
من باريس إلى طهران… تعدد التحالفات وتقاطع المصالح
في أكتوبر 1978، استقر الخميني في نوفل لو شاتو – فرنسا، حيث وفّرت له الحكومة الفرنسية بيئة إعلامية مفتوحة مكّنته من إدارة الثورة من قلب أوروبا.

وفي 1 فبراير 1979، عاد إلى طهران على متن طائرة فرنسية مدنية، في لحظة مفصلية أنهت حكم الشاه.
ولكي تكتمل الخطة وتنجز المهمة قامت الولايات المتحدة، الحليف التقليدي للشاه، بتحييد الجيش الإيراني الموالي لها عن التدخل لحماية نظام الشاه وعدم الحسم في الأيام الأخيرة، ما أسهم في تسريع سقوط النظام.

وهنا يبرز التساؤل المشروع:

هل كانت تلك الثورة، التي قُدّمت لاحقًا كحركة معادية للغرب، ممكنة دون هذا التداخل الفرنسي والأميركي؟
إيران-كونترا.. السلاح من حيث تُرفع الشعارات ضده
خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988)، رفعت طهران شعار الموت لأمريكا، لكنها في الواقع دخلت في واحدة من أكثر الصفقات إثارة للجدل في التاريخ الحديث.

ففي عام 1986، كشفت فضيحة إيران- كونترا عن قيام الولايات المتحدة، عبر وسطاء وبمشاركة الكيان الصهيوني ببيع أسلحة لإيران، تجاوزت قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، مقابل الإفراج عن رهائن.

مفارقة تختصر المشهد:
الخصومة في الخطاب… والتقاطع في المصالح.
من دمشق إلى حلب… تحالف المصالح مع موسكو
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تحالفت إيران عسكريًا مع روسيا لدعم النظام السوري.

وشكّل هذا التحالف أحد أبرز نماذج البراغماتية السياسية، حيث التقت المصالح بين دولة ذات خطاب ثوري ديني تدعي دعم الشعوب المظلومة ومناصرة المستضعفين الى سحقهم بالبراميل المتفجرة وقوة دولية كبرى رغم التباين الأيديولوجي لحماية نظام قالت عنه بعد ان سقط بانه لا يستحق البقاء.

وفي عام 2021، وقّعت إيران مع الصين اتفاقية تعاون استراتيجي لمدة 25 عامًا، تشمل استثمارات تُقدَّر بنحو 400 مليار دولار.
ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، تعمّق التعاون العسكري مع روسيا، بما في ذلك تبادل تقنيات عسكرية وطائرات مسيّرة.

ورغم كل ذلك، تستمر طهران في مهاجمة تحالفات دول الخليج، وكأنها استثناء من القواعد التي تمارسها هي ذاتها.
ويبقى الخطاب الإيراني يحمل معياراً مزدوجاً… وخطاباً انتقائياً لا يؤمن به الا السفاء ومن في قلوبهم مرض.

By Published On: مايو 5th, 2026Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | طهران.. من «نوفل لو شاتو» إلى موسكو وبكين تاريخ من التحالفات وخطاب من الاتهامات مغلقة