مقال | نهاية الدولة الدينية وأزمة الحكم الثيوقراطي

د. علي الطراح

برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت

لم تعد الإشكالية في التجربة الإيرانية مقتصرة على سياساتها الإقليمية أو أذرعها الحزبية، بل باتت تعبيرًا أوسع عن مأزق الدولة الدينية ذاتها، وعن حدود الحكم الثيوقراطي في عالم يتغير بوتيرة لا تنتظر الفتاوى ولا الأيديولوجيات المغلقة.

منذ انتصار الثورة الإيرانية، انشغل النظام الجديد بتصدير نموذجه خارج حدوده، معتمدًا على أذرع حزبية وعقائدية في أكثر من بلد، ساعيًا إلى تقديم نفسه بوصفه مركز العالم الإسلامي ومرجعيته السياسية والدينية. غير أن هذا التوجه جاء على حساب الداخل الإيراني نفسه، حيث فشل النظام في بناء نموذج وطني جامع يحظى بإجماع شعبي، أو في تقديم تجربة دينية قادرة على التعايش مع التعدد والاختلاف.

كان الأحرى، قبل التفكير في التوسع والتأثير الخارجي، أن يُكرّس الجهد لبناء دولة مواطنة، تُقدِّم الدين بوصفه قيمة أخلاقية جامعة لا أداة هيمنة سياسية. لكن ما حدث هو العكس: جرى اختزال الدين في سلطة، واختزال الثورة في جهاز أمني، واختزال السياسة في صراع نفوذ.

لقد أثبتت التجربة أن الدولة الدينية، بصيغتها الثيوقراطية، لم تعد قادرة على فهم متغيرات الحداثة. فالعالم اليوم يُدار بمنطق المؤسسات، والشفافية، وحقوق الفرد، والعقد الاجتماعي، بينما يقوم الحكم الثيوقراطي على افتراض امتلاك الحقيقة المطلقة، وعلى وصاية رجال الدين على المجتمع، وهو افتراض يتناقض جوهريًا مع روح العصر.

وليس في هذا القول عداء للدين، بل دفاع عنه. فالدين حين يتحول إلى سلطة حكم يفقد بعده الروحي والأخلاقي، ويصبح طرفًا في الصراع، يُحاسَب على الفشل الاقتصادي، والقمع السياسي، وسوء الإدارة. وهنا تتآكل قدسيته بدل أن تتعزز.

لقد كان خطأً تاريخيًا أن يتولى رجال الدين الحكم المباشر. فوظيفتهم الطبيعية هي الإرشاد الأخلاقي والروحي، لا إدارة الدولة، ولا قراءة تعقيدات الاقتصاد العالمي، ولا التعامل مع تحولات المجتمع والتكنولوجيا والهوية. السياسة مجال نسبي ومتغير، بينما الخطاب الديني بطبيعته يميل إلى الإطلاق والثبات، وهذا التناقض أنتج أزمات متراكمة لا حلول لها داخل المنظومة نفسها.

إن ما نشهده اليوم ليس فقط أفول نموذج إيراني بعينه، بل انتهاء مرحلة كاملة من وهم الدولة الدينية. فالمجتمعات، بما فيها المتدينة، باتت تطالب بدولة عادلة لا مقدسة، وبحكم يخضع للمساءلة لا للتكفير، وبشرعية تستمد من الناس لا من الغيب.

والدرس الأهم أن المستقبل لا تصنعه الأيديولوجيا المغلقة، بل الدول التي تفهم زمنها، وتحترم تنوع شعوبها، وتفصل بين الإيمان كخيار شخصي، والسلطة كعقد مدني قابل للنقد والتغيير.

By Published On: فبراير 1st, 2026Categories: مقالاتالتعليقات على مقال | نهاية الدولة الدينية وأزمة الحكم الثيوقراطي مغلقة