
مقال | شكرا فخامة الرئيس ترامب

د. محمد الوهيب
أستاذ مساعد بالفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت
يُتَّهَم فخامة الرئيس دونالد ترامب كثيرًا بأنه قد دمر النظام القانوني الدولي، وبأنه قد قوّض الأسس التي قام عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من خلال استخفافه بالمؤسسات الدولية، وتشكيكه في التحالفات التقليدية، وتقديمه منطق الصفقات على المبادئ. غير أن هذا الاتهام، رغم وجاهته الظاهرية، يغفل حقيقة أساسية: ترامب لم يُدمِّر النظام الدولي بقدر ما أسقط عنه القناع الأخلاقي الذي طالما أخفى طبيعته الحقيقية. فما فعله لم يكن انقلابًا على نظام قائم على القيم، بل كشفًا فجًّا لنظام كان يعمل منذ زمن طويل بمنطق القوة والمصلحة، لكنه اعتاد أن يقدّم نفسه بلغة القانون الدولي والالتزام الأخلاقي.
أولًا، أظهر ترامب أن القوة السياسية، لا الشرعية الأخلاقية، هي التي تحكم العلاقات الدولية في نهاية المطاف. ففي العقود السابقة، اعتادت الدول الكبرى—وعلى رأسها الولايات المتحدة—أن تُغلف استخدام القوة بلغة ليبرالية تتحدث عن القانون الدولي، وحماية حقوق الإنسان، ونشر الديمقراطية، وتقديم التدخلات السياسية أو العسكرية بوصفها استجابة أخلاقية لواجب كوني. هذا الخطاب لم يكن غائبًا عن الممارسة، لكنه كان يضفي عليها طابعًا تبريريًا وأخلاقيًا. مع ترامب، تراجع هذا الغلاف الخطابي؛ لم يعد استخدام العقوبات أو الضغط العسكري أو الابتزاز الاقتصادي بحاجة إلى تبرير قيمي مطوّل. السؤال الحاكم لم يعد: هل هذا عادل أو مشروع؟ بل: هل يخدم المصلحة؟ وهنا انكشف الفرق بين اللغة التي كان النظام الدولي يصف بها نفسه، والمنطق الفعلي الذي كان يعمل به.
ثانيًا، أكد ترامب أن المصالح تتقدّم على التحالفات، وأن العلاقات بين الدول لا تقوم على التزامات قيمية ثابتة بقدر ما تقوم على حسابات نفعية متغيرة. فالحلفاء لم يعودوا يُعامَلون بوصفهم أطرافًا تربطهم تعهدات سياسية طويلة الأمد، بل كأطراف في علاقة مشروطة تخضع لإعادة التقييم المستمر. حلف الناتو، مثلًا، لم يُقدَّم كإطار أمني استراتيجي قائم على التضامن، بل كترتيب مالي يجب أن “يدفع” أعضاؤه ثمنه. كذلك بدت المؤسسات الدولية عبئًا بيروقراطيًا أكثر من كونها مرجعية سياسية. هذا التحول لم يكن صادمًا لأن الواقع تغيّر، بل لأن اللغة تغيّرت؛ فالتحالفات كانت دائمًا محكومة بالمصلحة، لكن الجديد هو التخلي العلني عن الخطاب الذي كان يصوّرها كالتزامات مبدئية تتجاوز منطق الربح والخسارة.
ثالثًا، قدّم ترامب السياسة الدولية بوصفها سوق صفقات مفتوح، تُدار فيه العلاقات بين الدول بعقلية رجل الأعمال لا بعقلية رجل الدولة التقليدي. في هذا التصور، لا وجود لصداقات دائمة أو عداوات مبدئية، بل توجد فرص تفاوض، وأوراق ضغط، وهوامش ربح وخسارة. الدولة، في نظره، ليست كيانًا أخلاقيًا ملتزمًا برسالة كونية، بل فاعلًا اقتصاديًا-سياسيًا يسعى إلى تعظيم مكاسبه وتقليص خسائره. لذلك تُقاس قيمة العلاقة الدولية بميزان “ماذا نحصل مقابل ماذا”، لا بميزان المبادئ أو الالتزامات طويلة الأمد.
ضمن هذا المنطق، تتحول المبادئ—كحقوق الإنسان، والديمقراطية، والقانون الدولي—إلى أدوات خطابية انتقائية، تُستدعى عندما تخدم الصفقة، وتُهمَل عندما تعيقها. فإذا كانت القيم تفتح بابًا لعقد مربح، جرى التلويح بها؛ وإذا كانت تُثقِل كاهل التفاوض أو تُقيّد هامش المناورة، جرى تجاوزها بلا حرج. هكذا تصبح السياسة الخارجية امتدادًا لمنطق البزنس: تفاوض قاسٍ، تهديد بالانسحاب، استخدام الضغط، ثم إبرام صفقة تُقدَّم للرأي العام بوصفها “أفضل ما يمكن”.
غير أن هذا التصور، مهما بدا فظًّا أو صادمًا، لا يمثّل قطيعة مع تاريخ السياسة بقدر ما يمثّل عودة إلى منطقه الأصلي. فعلى امتداد التاريخ، لم تُدار العلاقات بين الدول بمنطق القيم المجردة، بل بمنطق القوة والمصلحة وتوازن الردع. المبادئ لم تكن يومًا محرّك السياسة، بل لغتها التبريرية. وما فعله ترامب هو التخلي عن هذا الغلاف الخطابي، لا اختراع ممارسة جديدة. قد يكون ذلك مقلقًا لمن اعتادوا سماع السياسة بلغة أخلاقية، لكنه في الوقت ذاته أكثر اتساقًا مع ما جرى فعليًا عبر القرون: سياسة تُدار كما هي، لا كما نحب أن نراها.
أعتقد أنه من المهم استدعاء الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز لأهميته هنا كمؤسس حقيقي للواقعية السياسية. في كتابه الليفياثان، ينطلق هوبز من فكرة غياب سلطة عليا تضبط العلاقات بين الدول، ما يجعل السياسة الدولية أقرب إلى “حالة الطبيعة”: لا فوضى كاملة، بل انعدام ثقة دائم. في هذا السياق تصبح القوة ضمانة، والخوف عقلانيًا، والعهود هشة ما لم تسندها القوة.
ترامب لم يكن ليُنظِّر لهوبزية واعية، لكنه جسّدها عمليًا. تصرّف كما لو أن العالم بلا حَكَم أعلى، وأن القانون ضعيف من دون قوة، وأن الأخلاق لغة تبريرية لا قيدًا حقيقيًا. هذا كشفٌ خطير، لأنه عارٍ من المسؤولية، لكنه أيضًا كشفٌ كاشفٌ للأوهام.
لن نتهمك يا فخامة الرئيس، لأن فضح الواقع بلا بديل أخلاقي يزيد هشاشة العالم. لكن ربما علينا أن نقرأ ما تفعل على أنه علامة: علامة على نهاية زمن التظاهر الأخلاقي، وبداية سؤال أصعب وأعمق—كيف يمكن للدول، خاصة الضعيفة منها، أن تحمي نفسها في عالم هوبزي، دون أن تتحول هي نفسها إلى وحوش؟ هذا السؤال سيبقى، حتى بعد أن يغادر ترامب المشهد.






