
مقال | إيران ونموذج الحكم الديني: من الاستبشار إلى الفشل

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، طرحت إيران نفسها بوصفها البديل للنظام الإسلامي، وقد استُقبلت بداياتها بشيء من الاستبشار، على أمل أن تقدم نموذجًا إسلاميًا معاصرًا ينهض بالأمة، ويستفيد من منجزات الحضارة الإسلامية في السياسة والاقتصاد وبناء الإنسان.
غير أن هذا الطموح سرعان ما تحوّل إلى شعار “تصدير الثورة”، ومحاولة فرض النموذج الإيراني خارج حدوده، لا عبر الإقناع أو النجاح الداخلي، بل من خلال تأسيس أذرع سياسية وعسكرية في عدد من الدول العربية، مستندة إلى البعد المذهبي أداةً للنفوذ والتمدد.
داخليًا، عانى الاقتصاد الإيراني من أزمات متراكمة، وارتفعت نسب البطالة، وتراجعت مستويات المعيشة، في وقتٍ توجهت فيه الدولة إلى تطوير برنامج نووي، مبرّرة ذلك بشعارات كبرى مثل “تحرير القدس”، وهي شعارات جذابة عاطفيًا، لكنها لم تُترجم إلى إنجازات حقيقية على أرض الواقع.
أما ما قُدّم بوصفه “نموذجًا إسلاميًا”، فلم يتجاوز مظاهر شكلية، كإلغاء ربطة العنق للتميّز الرمزي، بينما ظل الشعب الإيراني يرزح تحت أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية مستمرة. وفي المقابل، مدّ الإقليم الخليجي يده للتعاون وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة، إلا أن السياسة الإيرانية بقيت أسيرة منطق فرض النفوذ والسعي للهيمنة.
اليوم، تواجه إيران أزمات داخلية وخارجية متفاقمة، ويتضح فشل نموذجها الديني في إدارة الدولة الحديثة. وقد قاد هذا المسار إلى نتيجة مفادها أن حكم رجال الدين، حين يحتكر السياسة ويصادر المجتمع، لا يختلف في جوهره عن عودة إلى حكم الكنيسة في أوروبا قبل عصر الدولة الحديثة.
إن التجربة الإيرانية تؤكد أن الشعارات الدينية، مهما بدت براقة، لا تصنع نهضة، وأن الدولة لا تُبنى بالمذهب ولا بالتعبئة الأيديولوجية، بل بالحكم الرشيد، واحترام الإنسان، والتنمية الحقيقية.






