
مقال | اختراق ناعم: كيف تسلل خطاب الإخوان إلى قناة إعلامية خليجية؟

د. محمد الوهيب
أستاذ مساعد بالفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت
لم تكن المشكلة يومًا في وجود قناة إعلامية ذات توجه سياسي أو قدر من التحيّز؛ فالإعلام في كل أنحاء العالم يرتبط، بدرجات مختلفة، بالسياسات العامة للدول أو الجهات التي تموّله. هذا أمر مفهوم في سياق الصراع السياسي وتنافس الروايات. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما نجد قناة إعلامية ممولة بالكامل من دولة ما، بينما يبدو خطابها الإعلامي في كثير من الأحيان أقرب إلى خطاب خصوم تلك الدولة: كيف يمكن تفسير هذه المفارقة؟
جزء من الإجابة التي نقدمها هنا متعلق بالهوية الأيديولوجية التي تشكّلت داخل هذه المنظومة الإعلامية عبر عقود، خصوصًا مع حضور شخصيات وتيارات قريبة من فكر جماعة الإخوان المسلمين داخلها. الكثير منا كان يعتقد أن الدولة الراعية استطاعت احتواء هذا التيار وتوظيفه لخدمة أهدافها السياسية وتوسيع شبكة نفوذها الإعلامي. لكن الوقائع اللاحقة تشير إلى أن هذا التقدير ربما كان متفائلاً أكثر مما ينبغي، فداخل هذه المنظومة تشكّلت شبكة واسعة من الإعلاميين والناشطين، “جيش إعلامي” يعيد إنتاج الرواية ذاتها في إطار أيديولوجي محدد، ثم يعزز انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يساهم في تشكيل الرأي العام في أنحاء واسعة من العالم العربي.
إليك بعض الأمثلة: في حرب غزة الأخيرة، كانت القناة تكرر ليل نهار أن “المقاومة انتصرت”، في الوقت الذي دمرت فيه غزة واستشهد أكثر من 80 ألف. الواقع كارثي وخطاب النصر يتكرر على الشاشة. أما من يجرؤ على التشكيك في هذه الرواية، فغالبًا ما يصيهن ويُتهم بأقسى الاتهامات. لبنان تعرض لأعنف أزماته الاقتصادية والسياسية في تاريخه، وكانت القناة ذاتها ترفع شعارًا واحدًا: “حزب الله ينتصر”.
واليوم، في سياق الحرب الدائرة حاليًا في المنطقة، يتكرر المشهد مرة أخرى: تقدّم هذه القناة النظام الإيراني أحيانًا في صورة “النصر الاستراتيجي”، رغم أن الوقائع العسكرية والسياسية تشير إلى تعقيدات كبيرة وخسائر واضحة؛ ويميل خطابها الإعلامي إلى تلميع هذا النظام وتقديمه بوصفه القوة التي يجب الحفاظ عليها، وإلا انهار العرب أمام إسرائيل.
هذا الخطاب يتجاهل سجلًا طويلًا من السياسات الإيرانية التي أسهمت في تقويض مفهوم الدولة الوطنية في عدد من البلدان العربية. ففي لبنان واليمن والعراق، دعمت طهران ميليشيات مسلحة لعبت أدوارًا مباشرة في إضعاف مؤسسات الدولة. وفي سوريا ارتبطت ميليشيات مدعومة من إيران بكوارث إنسانية عديدة، من حصار وتجويع مدن مثل مضايا والزبداني، إلى المشاركة في معارك القصير وغيرها، وما رافق ذلك من عمليات تهجير واسعة للسكان. أما في الخليج، فقد ثبت ارتباط شبكات مدعومة من إيران بخلايا تجسس وعمليات تهريب سلاح.
كل ذلك يثير تساؤلًا شديد الأهمية: كيف يمكن تفسير استمرار هذا الخطاب الإعلامي المضلل عندما يكون موجّهًا، بشكل غير مباشر، ضد الدولة التي تموّل هذه القناة نفسها؟ خصوصًا في وقت تواجه فيه تلك الدولة تهديدات أمنية وهجمات عسكرية وخلايا تجسس تنسب لإيران. بعبارة أخرى: كيف يمكن لقناة ممولة بالكامل من دولة خليجية أن تقدّم خطابًا إعلاميًا يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى خطاب خصوم تلك الدولة؟ وكما يقول المثل الشعبي: “شرى له من حلاله علة”.
يقدم لنا التاريخ أمثلة عديدة على صعوبة احتواء التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود. ففي ستينيات القرن الماضي، استضاف الملك فيصل في السعودية عددًا من كوادر الإخوان المسلمين الهاربين من مصر، لكن التجربة انتهت لاحقًا بتوترات عميقة بعدما تمدد التنظيم داخل المجتمع وبعض المؤسسات التعليمية. وفي الكويت أيضًا حصلت الجماعة، عبر عقود، على مساحة واسعة من النشاط السياسي والاجتماعي، غير أن التجربة كشفت مرارًا أن الولاء التنظيمي قد يتقدم أحيانًا على الولاء الوطني في لحظات الأزمات. ولا يقتصر الأمر على هذين البلدين. فقد شهدت مصر والأردن والسودان وتونس تجارب مشابهة بدرجات مختلفة، حيث حاولت هذه الدول استيعاب الجماعة أو إدماجها في الحياة السياسية. غير أن العلاقة كثيرًا ما انتهت بصدامات حادة عندما تعارضت حسابات التنظيم مع مصالح الدولة.
وهنا يبرز السؤال الأكبر: هل يمكن بالفعل احتواء تنظيم عابر للحدود عبر المناصب أو الدعم أو المساحات الإعلامية؟ أم أن التجارب المتكررة تشير إلى أن مثل هذه التنظيمات، بحكم طبيعتها الأيديولوجية، تحتفظ دائمًا بولاء يتجاوز حدود الدولة؟
ما نراه اليوم بوضوح في هذه القناة الخليجية يظهر بدرجات متفاوتة في بعض المنابر الإعلامية الأخرى في المنطقة. فقد تسلل الخطاب التنظيمي للإخوان المسلمين إلى مؤسسات إعلامية يفترض أنها وطنية. وفي مثل هذه الحالات يصبح من الطبيعي أن نجد خطابًا إعلاميًا يقف — في لحظات معينة — على مسافة من مصالح الدولة، أو حتى في مواجهة سرديتها. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: عندما يتغلغل خطاب تنظيمي داخل وسائل إعلام تمولها الدولة، لمن يكون الولاء في النهاية؟ للدولة التي تموّل، أم للتنظيم الذي يؤثر في الخطاب؟
هذا السؤال لا يخص دولة بعينها، بل يهم المنطقة كلها، بما فيها الكويت. فالتجارب المتكررة تشير إلى أن الإغداق على التنظيمات الأيديولوجية لا يغيّر بالضرورة ولاءاتها العميقة. ولهذا فإن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يقتصر على قناة أو برنامج أو ضيف إعلامي، بل يجب أن يتجه إلى قضية أعمق بكثير: كيف تحمي الدول مؤسساتها الإعلامية والثقافية من أن تتحول — عن قصد أو عن غير قصد — إلى منصات لخطاب حزبي عابر للحدود؟
إنه سؤال يستحق أن يُطرح بجدية، قبل أن تتحول المشكلة من مجرد جدل إعلامي إلى أزمة تمس بنية الدولة نفسها.






