
مقال | التشفي في أزمات الخليج… حين يختلط الصراع الإقليمي بالانقسام العربي

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
لا تزال ظاهرة مؤسفة تتكرر في الفضاء العربي، تتمثل في حالة التشفي التي يبديها بعض الناشطين والكتّاب كلما تعرضت دول الخليج لهجوم أو تهديد. وهي ظاهرة تعيد إلى الأذهان مشهد الانقسام العربي المؤلم الذي ظهر بوضوح خلال غزو الكويت، حين انقسم الرأي العام العربي بين مؤيد ومعارض، في لحظة كان يفترض فيها أن يسود التضامن العربي.
ومع التصعيد الأخير في المنطقة، أعلنت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مرارًا وبشكل واضح أنها لا تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أي هجوم على إيران، كما سعت هذه الدول في الوقت نفسه إلى دعم مبادرات الوساطة وخفض التوتر، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة هو مصلحة مشتركة لجميع شعوبها.
ورغم أن المواجهات العسكرية الجارية تأتي في إطار حسابات استراتيجية معقدة ترتبط أساسًا بصراعات بين الولايات المتحدة و*إسرائيل* من جهة، وإيران من جهة أخرى، فإن بعض الأصوات العربية ما زالت تحاول تحميل دول الخليج مسؤولية صراعات لم تكن طرفًا مباشرًا فيها.
والواقع أن دول الخليج حافظت، على مدى سنوات طويلة، على قنوات التواصل مع إيران وسعت إلى إبقاء العلاقات في إطارها الدبلوماسي الطبيعي، رغم ما شهدته المنطقة من توترات. لكن أحد أبرز أسباب القلق الإقليمي كان يتمثل في السياسة التي اتبعتها طهران منذ الثورة الإيرانية، حيث توسع نفوذها عبر دعم تنظيمات مسلحة في عدد من الدول العربية. فقد برز حزب الله في لبنان، كما ظهرت فصائل مسلحة موالية لإيران في العراق، إضافة إلى دعم الحوثيين في اليمن، فضلاً عن حضورها العسكري والسياسي في سوريا.
هذه التطورات دفعت دول الخليج إلى تعزيز تحالفاتها الدولية لضمان أمنها واستقرارها، وهو أمر طبيعي في عالم تحكمه المصالح والتوازنات الاستراتيجية. فالدول، بطبيعتها، تبحث عن الشراكات والتحالفات التي تحمي أمنها القومي وتضمن استقرارها.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال البعد الإنساني في أي صراع. فالشعوب ليست مسؤولة عن السياسات والصراعات بين الدول. ومن المؤلم أن يدفع الأبرياء في إيران ثمن سياسات وصراعات إقليمية معقدة، كما يدفع الأبرياء في أي مكان آخر ثمن الحروب. فالشعوب في نهاية المطاف تتطلع إلى الأمن والاستقرار والتنمية، بعيدًا عن سباقات التسلح والصراعات الممتدة.
لقد كان بإمكان إيران أن توجه مواردها الهائلة نحو تطوير اقتصادها والنهوض بمستوى معيشة شعبها، بدل إنفاق مليارات الدولارات على التسلح وتوسيع النفوذ الإقليمي. وكان من الممكن أيضًا أن تتجه الجهود نحو بناء منظومة تعاون إقليمي تعزز استقرار الخليج وتمنع التوترات بدل تغذيتها.
إن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر الصراعات أو التدخلات في شؤون الآخرين، بل عبر احترام سيادة الدول وبناء علاقات قائمة على التعاون والمصالح المشتركة. فمستقبل الشرق الأوسط يجب أن يكون مستقبل تنمية واستقرار، لا ساحة دائمة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية






