
مقال | بيان الإخوان المسلمين والصواريخ فوق الكويتيين!

د. محمد الوهيب
أستاذ مساعد بالفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت
خلال ستة أيام فقط منذ بداية الحرب، أُطلقت مئات الصواريخ الباليستية والمئات من الطائرات المسيّرة باتجاه دولة الكويت. صحيح أن الهجوم شمل مختلف دول الخليج، بما فيها سلطنة عُمان التي أدّت دور الوسيط، غير أنني أخصّ الكويت بالحديث هنا؛ وهي الدولة- مثل دول الخليج الأخرى- التي أعلنت بوضوح أنها ليست طرفًا في هذه الحرب، ولم تسمح باستخدام أجوائها للاعتداء على أي طرف.هذه ليست أرقامًا رمزية أو تقديرات عابرة؛ بل هي تهديدات حقيقية استهدفت مناطق سكنية، ومطارات، ومنشآت حيوية. إنها اعتداءات مباشرة على سماء دولة ذات سيادة.
وفي خضمّ هذه التطورات، صدر بيان عن التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، وتبعته بيانات من حركة حماس- كتائب القسام. وقد تضمنت تلك البيانات إدانة للهجوم على إيران، لكنها خلت تمامًا من أي إشارة إلى الكويت أو إلى دول الخليج. لم ترد فيها كلمة واحدة عن أمن هذه الدول، ولا عن سيادتها، ولا عن استهداف أراضيها بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ويأتي هذا الصمت رغم أن دول الخليج — بشهادة القاصي والداني — كانت ولا تزال من أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية، سياسيًا ودبلوماسيًا وماليًا وإنسانيًا، فقد قادت هذه الدول حملات الدعم والإغاثة، وحشدت المواقف الدولية دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية، وقدمت من المساعدات ما لم يضاهه كثيرون. ونحن لا نمنّ بذلك، فمساندة الشعب الفلسطيني واجب أخلاقي وإنساني. لكن من حقنا أن نتساءل: أين الحد الأدنى من الاتساق الأخلاقي؟
إذا كنتم ترفضون العدوان، فلماذا يُرفض حين يقع على إيران، ويُتجاهل حين يستهدف دول الخليج؟ وإذا كانت السيادة مبدأً لا يقبل المساومة، فلماذا يُطبَّق على دولة، ويُغفل حين يتعلق بدولة أخرى؟ وإذا كان الاعتداء مرفوضًا من حيث المبدأ، فكيف يُدان في حالة، ويُصمت عنه في حالة أخرى، رغم أن الدول المستهدفة أعلنت حيادها صراحة؟ إن كانت المسألة أخلاقية، فالأخلاق لا تتجزأ، وازدواجية المعايير لا يمكن تبريرها. وإن كانت المسألة دينية، فمن البديهي التذكير بأن شعوب الخليج أيضًا شعوب مسلمة، لها من الحق في الأمن والسيادة ما لغيرها.
أما السؤال الذي يتردد اليوم في كل دواوين الكويت فهو موجّه إلى الإخوان في الكويت: أين موقفكم مما يجري؟ ولماذا لم يصدر عنكم أي رد واضح أو انتقاد لبيانات التنظيم العالمي أو على بيانات حماس وكتائب القسام؟ بعد ثلاثة أيام من بداية القصف والصواريخ والمسيرات الإيرانية تتطاير فوق رؤوس من هم على هذه الأرض الطيبة، يخرج إخوان الكويت ببيان تافه ينتقد العدوان الإيراني الغاشم، أما التنظيم العالمي للإخوان، أصدقاءهم في حماس فقد غفر الله لهم عملهم وتجاهلهم لتعاطف الكويتيين معهم ونصرتهم لقضيتهم.
لقد شاهدنا بعد أحداث السابع من أكتوبر كيف تحركت الآلة الإعلامية المرتبطة بإخوان الكويت داخل الكويت وخارجها، وكيف نُظمت الحملات، واستُنفرت المنابر، ودُعي إلى مقاطعة شركات ومؤسسات تجارية كويتية يعرف الجميع أن أصحابها عائلات وطنية قدمت الكثير للقضية الفلسطينية. أما اليوم، حين تتعرض الكويت نفسها للقصف، فإننا لا نسمع سوى الصمت.
وفي هذا المقام، نحن لا نتحدث عن خلاف فكري أو اختلاف سياسي، فذلك أمر طبيعي في المجتمعات الحرة. القضية اليوم أعمق من ذلك؛ إنها تتعلق بالصمت المتعمّد في لحظة تمسّ أمن الوطن مباشرة. وهذا الصمت يطرح سؤالًا مشروعًا: هل كان أمن الكويت يومًا أولوية أخلاقية في خطابكم السياسي؟
لقد عاشت الكويت ثلاثة أيام تحت تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة، حتى صدور بيانكم المشؤوم، فيما كان جنودها ورجال أمنها يقفون في مواقعهم يدافعون عن سماء الوطن. وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء يؤدون واجبهم، كان كثيرون ينتظرون موقفًا واضحًا ممن يكثرون الحديث عن المبادئ.
إن الكويت اليوم لا تحتاج إلى مواقف رمادية، ولا تملك ترف الانتظار. المطلوب موقف صريح وواضح يضع أمن الكويت فوق أي اعتبار تنظيمي أو حزبي، فإن كان ثمة اختلاف مع بيانات التنظيم العالمي أو مع بيانات حماس والقسام، فليُعلن ذلك بوضوح. إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُعد حكمة، بل يربك المشهد الداخلي ويضعف وحدة الصف الوطني.






