
مقال | نار الإصلاح تحرق العمل التعاوني

م.حمد الفواز
مهندس معماري وكاتب
تميّزت دولة الكويت بتجربة رائدة في العمل التعاوني، حتى أصبحت نموذجاً يُحتذى به على مستوى دول الخليج، ليس فقط لقدم تجربتها، بل لعمقها الاجتماعي والاقتصادي، فقد جاء التعاون امتداداً طبيعياً لما جُبل عليه أهل الكويت من تكافل وتضامن، حين كان شظف العيش وقلة الموارد يفرض على المجتمع أن يتكاتف ويتعاضد ليبقى.
تاريخيا بدأت الحركة التعاونية الاستهلاكية في الكويت عام 1941 من خلال جمعية مدرسية في مدرسة المباركية، وتوسعت لاحقا إلى مؤسسات حكومية في فترة الخمسينيات كجمعية موظفي دائرة المعارف وجمعية موظفي الشئون الاجتماعية، ومع صدور القانون رقم 20 لسنة 1962، تم تنظيم العمل التعاوني رسمياً، وافتتحت أول جمعية تعاونية بمنطقة #كيفان في ذات السنة.
وفي عام 1971 أُسس اتحاد الجمعيات التعاونية لتوحيد جهودها والدفاع عن مصالحها لخدمة المجتمع، ومع تنامي الثقة في دورها، أسندت الدولة إلى التعاونيات منذ عام 1975 مهمة توزيع السلع المدعومة وتغطية احتياجات السكان بالمناطق السكنية، ما جعلها ركيزة أساسية في الاقتصاد المجتمعي الكويتي.
تعودنا – للأسف – على سماع وكشف فساد متكرر من أعضاء مجالس إدارات منتخبين بالجمعيات التعاونية في المناطق، علما بأن غالبيتهم منتخبين من أقرب الناس إليهم: أهلهم، وأصدقاءهم، وجيرانهم. ومع ذلك خان البعض الأمانة!
ما يثير القلق اليوم أن ملفات الفساد لم تعد مقتصرة على أعضاء الجمعيات في المناطق، بل امتدّت إلى أعضاء اتحاد الجمعيات التعاونية ذاته، أي إلى رأس الهرم المشرف على كل الجمعيات التعاونيات الـ 43 في البلاد!
تصريح #وزارة_الداخلية بأن “نار الإصلاح سوف تحرق كل الفاسدين”، يضعنا أمام مفارقة صادمة: كيف لمشروع بُنِي على روح التكافل وخدمة المجتمع أن يُدنّس بهذا الكم من الاستغلال؟
وهل يعني ذلك .. أن فكرة العمل التعاوني باتت مشبوهة؟ أو سيئة .. أم لا تصلح للتطبيق في أيامنا هذه؟ إما لجشع أو طمع أعضاء فاسدين!
برزت هنا مقارنة خطرت بذهني كمثال: فساد المسلمين لا يمثّل الإسلام. فكما لا يُحاسب الدين على انحراف أتباعه، لا يجوز إدانة العمل التعاوني كفكرة تنموية نبيلة بسبب بعض المفسدين الذين حوّلوه إلى وسيلة للثراء الشخصي أو النفوذ الاجتماعي.
ما يجري اليوم ليس نهاية الطريق للعمل التعاوني، بل ربما بداية جديدة لتقويم خلل تأثيره يقع على المجتمع بالكامل. وهي رسالة ضمنية من وزارة الداخلية مفادها أن الدولة لا تقبل باختطاف المشاريع الوطنية تحت أي ذريعة، حتى لو كانت تحت ستار خدمة المجتمع.
الإصلاح الجذري هو ما يعيد الثقة، لا بالتعاونيات فقط، بل بالمنظومة الاجتماعية والرقابية للدولة قاطبة.
إن محاسبة الفاسدين، مهما علت مناصبهم أو اختبأوا خلف شعارات براقة، لا تُعتبر تهديدًا للمبادئ، بل بالعكس هي أعلى درجات الوفاء لها.
في النهاية، من الضروري أن نتعلم التمييز بين الجوهر والقشرة، بين لب الفكرة والتمثيل، بين الأصل النبيل للعمل التعاوني والانحراف بالتنفيذ من أعضاء فاسدين. فالفكرة السليمة قد يسيء إليها أفراد، لكن المجتمع الواعي هو من يُعيد تصحيح المسار دون أن يسقط في فخ التعميم أو الهدم الكلي.






