بحث | جماعة الإخوان المسلمين في الكويت.. المسارات الأيديولوجية، مخاطر التطرف، وآفاق إعادة التأهيل

د. سويّد العبكل

باحث في سياسات الشرق الأوسط والشئون الأمنية

استعرض أستاذ الفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت د.محمد الوهيب الدراسة التي قام بها د. سويد العبكل بعنوان «جماعة الإخوان المسلمين في الكويت.. المسارات الأيديولوجية، مخاطر التطرف، وآفاق إعادة التأهيل»، والتي تم نشرها في المجلة الدولية للبحوث المتعددة التخصصات في «المجلد 7، العدد 4، يوليو – أغسطس 2025».
وسعى العبكل عبر الدراسة إلى تحليل المسار التاريخي والتحديات الراهنة لجماعة الإخوان المسلمين في الكويت.
وكان الهدف المركزي هو تتبّع تطور الحركة الأيديولوجي، وتحديد المخاطر الكامنة التي قد تقود إلى التطرف داخل بنيتها، واستكشاف إمكانات إعادة التأهيل الفكري في السياقين الاجتماعي والسياسي الكويتي.
ويجادل الباحث العبكل بأن فرع الإخوان في الكويت حافظ على سمعة اعتدال نسبي مقارنة بنظرائه الإقليميين، إلا أن الظروف التي يعمل ضمنها – من ضغوط الدولة والأزمات الداخلية إلى التحولات الإقليمية – تخلق هشاشة قد تُنتج ميولاً متطرفة إذا لم تُواجَه ببرامج إصلاحية.
ويبدأ المقال بتقديم عام يضع الإخوان الكويتيين في إطار حركة الإخوان المسلمين العالمية، التي نشأت في مصر لكنها تجذّرت في دول عربية مختلفة تبعًا للظروف المحلية.
وأشار الى أنه في الكويت، دخل الإخوان في أوائل الخمسينيات عبر المجالين التعليمي والخيري، ثم استفادوا من المناخ البرلماني شبه المفتوح الذي يميز الكويت عن بقية الخليج. بخلاف دول أخرى حيث قُمعت الحركات الإسلامية بشدة، استطاعت الجماعة في الكويت المشاركة في السياسة وإن بقيت تحت المراقبة.
هذه الوضعية الخاصة أوجدت ما يسميه الباحث «الاستثناء الكويتي»: فضاء يسمح بالعمل السياسي الإسلامي، لكنه يظل محفوفًا بالريبة خصوصًا في أوقات الأزمات الوطنية.
التطرف والتأهيل
ويستعرض المقال الأدبيات النظرية
حول التطرف وإعادة التأهيل بالاعتماد على أعمال باحثين مثل كوينتن
ويكتورويتش، وكلارك مكولي، وصوفيا موسكالينكو، ويوضح بأن مسارات التطرف متعددة: تبدأ من المظالم الفردية، مرورًا بالديناميات الجماعية، وصولًا إلى السياقات السياسية الأوسع.
كما يشدد على دور الشبكات الرقمية في تغذية التطرف المعاصر، حيث تصنع مجتمعات مغلقة تحصّن الأعضاء من أي رؤى بديلة.
ومن هنا يطرح المقال السؤال: هل تمثل جماعة الإخوان في الكويت نموذجًا للاعتدال يقي من التطرف، أم أن أيديولوجيتها تحمل عناصر قد تتحول إلى رافعة للتطرف عند لحظات الانسداد السياسي؟
يعتقد الباحث بأن هناك بعض العناصر الفكرية المكونة لأيديولوجيا الاخوان قد تدفعها للعنف، وأهمها:
• الجمود العقائدي: إقصاء للآخر المختلف
• القطعية السياسية: الحكم الإسلامي وحده الشرعي عند الاخوان، وطبعا عن طريق تفسيرهم الخاص للدين لا تفسير غيرهم.
• السرية التنظيمية: وهذا موضوع خطير جدا ويتعارض مع قانون الدولة بشكل واضح – السرية التنظيمية تعزز وترسخ العزلة لدى الاخوان.
• التركيز على الشباب: تركيز الاخوان على الشباب ليس سراً أبدا، الشباب بطبيعتهم متحمسون، عاطفيون، يصابون بالإحباط بسرعة، وبسبب هذا الاحباط ينجذبون لجماعات أكثر عنفًا إذا غلقت أمامهم السبل. ومن الممكن استخدام الكثير القضايا لتوليد وتشجيع هذا الإحباط، القضية الفلسطينية، غياب الديموقراطية… الخ.
التكيف المحلي
تبدأ الفصول التحليلية بمناقشة إرث الإخوان العالمي وتكيّف أعضائه محليًا في الكويت.
ورغم ارتباطهم بالأصل المصري، فإن الفرع الكويتي تبنى نهجًا أكثر براغماتية بفعل البيئة البرلمانية والمجتمع المدني النشط نسبيًا.
لكن، ورغم البراغماتية، ظل الطموح الطويل الأمد هو «أسلمة» المجال العام.
وهذا الطموح، حتى إن جرى التعبير عنه عبر الوسائل الدستورية، يبقى قابلًا للتحول إلى نزعة إقصائية، خاصة في أوقات القمع أو الأزمات الإقليمية.
تلقي الدراسة بالضوء على أثر الغزو العراقي للكويت عام 1990، الذي كشف عن انقسامات داخل الجماعة.
فقد وُجهت اتهامات لبعض أعضائها بالتردد أو بعدم إظهار تضامن كافٍ مع الدولة ضد صدام حسين.
هذه الصورة، سواء كانت دقيقة أو مضخمة، أضعفت ثقة الجمهور وأجبرت الجماعة على إعادة ترتيب أولوياتها.
الصورة الوطنية
يعتبر الباحث هذه اللحظة مفصلية حيث سعى الإخوان في الكويت بعد الغزو إلى تقديم أنفسهم بصورة أكثر وطنية، مؤكدين الولاء للدولة مع الاحتفاظ بالخطاب الأيديولوجي. ومع ذلك، بقي التوتر قائمًا بين الهوية الإسلامية العابرة للحدود والانتماء الوطني المحلي، وهو توتر لا يزال يطبع خطاب الجماعة حتى اليوم.
ثم تنتقل الدراسة إلى مؤشرات التطرف داخل حركة الإخوان الكويتية، فالجماعة لا تمارس العنف، لكن بنيتها وخطابها قد تفرز هشاشة تؤدي إليه.
ويقدم الباحث أربعة مؤشرات رئيسية: أولًا الجمود العقائدي الذي يقصي الرؤى البديلة؛ ثانيًا المطلقية السياسية التي ترى في الحكم الإسلامي الشكل الشرعي الوحيد؛ ثالثًا السرية التنظيمية التي تعزز العزلة؛ ورابعًا التركيز على الشباب الذي قد يؤدي إلى الإحباط إذا انسدت سبل المشاركة السياسية، فيدفع البعض للانجذاب إلى حركات أكثر تشددًا.
وأكد ان الخطر إذن ليس أن تتحول الجماعة مباشرة إلى العنف، بل أن تكون محطة انتقالية نحو مسارات أكثر تطرفًا.
الاحتواء والتقييد
تستعرض الدراسة مواقف الدولة تجاه الحركة، مشيرة إلى تذبذب بين الاحتواء والتقييد. فقد سمحت الحكومة بمشاركة محدودة لكنها شددت الرقابة على الجمعيات التعليمية والخيرية كما أصدرت قوانين أكثر صرامة بشأن التمويل.
كما ان هذه السياسات لها أثر مزدوج فهي قد تكبح التطرف لكنها قد تدفع بعض النشطاء إلى الانعزال والانسحاب إلى فضاءات مغلقة، وهناك أمثلة واضحة وجلية على صحة هذا الرأي الذي إليه الباحث. التحدي – يشير العبكل – هو إيجاد التوازن الذي يمنع التطرف دون أن يولّد مظالم جديدة.
ولإغناء التحليل، يعرض المقال تجارب إقليمية في إعادة التأهيل.
ومن هذه التجارب يستخلص الباحث عوامل النجاح المتمثلة في مصداقية الخطاب، الاستمرارية، وإيجاد بدائل اجتماعية واقتصادية حقيقية.
ويقترح أن الكويت يمكن أن تطوّر نموذجًا خاصًا يدمج هذه العوامل ويخلق مساحة للمراجعة الفكرية داخل الإخوان دون دفعهم إلى المواجهة.
الإسلام السياسي
تتوقف الدراسة أيضا عند التطور الأيديولوجي للجماعة عبر العقود، بدأت كحركة تعليمية وخيرية، ثم تحولت في السبعينيات إلى لاعب سياسي له حضور برلماني ونشاط ثقافي عبر جمعيات وشخصيات مثل طارق السويدان.
ولقد ساهم هؤلاء في نشر رؤية للإسلام السياسي بأسلوب حديث وجاذب، لكنه ظل يحمل نزعة أحادية تعزز لدى الشباب شعورًا بالتمايز وربما بالاستعلاء. ونوه ان ذلك ساعد هذا النشاط على تعميق حضور الإخوان في الوعي الثقافي الكويتي، لكنه أثار أسئلة حول حدود الاعتدال والانفتاح.
الإخوان بين الاعتدال النسبي والتطرف العنيف
خلصت الدراسة إلى مجموعة نتائج أساسية هي:
أولًا. إن الاعتدال النسبي للإخوان في الكويت مرتبط بوجود هامش سياسي، وقد يضعف هذا الاعتدال إذا أُغلق ذلك الهامش.
ثانياً. الجماعة تمثل مفارقة فهي قد تكون صمام أمان ضد التطرف العنيف من خلال توفير قناة منظمة للنشاط، لكنها قد تتحول إلى مصدر للتشدد إذا زاد الضغط والإقصاء.
ثالثاً. يظل الشباب العنصر الأكثر حساسية: فغياب قنوات المشاركة الفعّالة يجعلهم أكثر عرضة للانزلاق نحو التشدد.
وأخيراً. إن إمكانات إعادة التأهيل لا تكمن في القمع، بل في الحوار الصادق، والانخراط الديني الموثوق، والسياسات التي تراعي الحاجات الاجتماعية والاقتصادية.
ليست حركة راديكالية عنيفة ولا جمعية مدنية بريئة
في المحصلة، يقدم المقال قراءة نقدية للجماعة بوصفها حالة وسط بين الاعتدال والتطرف.
فهي ليست حركة راديكالية عنيفة، لكنها أيضًا ليست جمعية مدنية بريئة.
كما أن أهميتها تكمن في كيفية إدارتها للتوازن بين المشاركة والمعارضة، بين الوطنية والهوية العابرة للحدود.
بالنسبة للكويت، الرهان كبير.. فالتعامل الخاطئ مع الإخوان قد يدفع شرائح من المجتمع إلى التطرف، بينما يمكن للتعامل الحكيم أن يستثمر طاقاتهم في المشاركة البناءة.
أما بالنسبة للباحثين، فالحالة الكويتية تؤكد أن السياق المحلي والسياسات الرسمية هما ما يحددان ما إذا كانت الحركات الإسلامية ستتجه نحو الاعتدال أو نحو التشدد.
الوهيب: لماذا لم تتم دراسة عدم انضمام «إخوان الكويت» لأي مقاومة مسلحة فعلية إبان الغزو؟
قال د.محمد الوهيب في تعليق على ما ذهب اليه العبكل: «كنا نتمنى لو توقف الباحث هنا على دور جماعة الاخوان المسلمين الفعلي في الداخل الكويتي إبان الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت، فمن الجدير بالذكر أن الجماعة لم تنخرط في أي عمل مسلح تحت راية المقاومة الكويتية، واقتصر عملها -كما يروون هم أنفسهم- على الأعمال المجتمعية المدنية، كنظافة الأحياء وصناعة الخبز… الخ».
وأضاف الوهيب: وهي الأعمال المحايدة بطبيعتها؛ والحال هو أننا نتمنى بالفعل دراسة عدم انضمام الاخوان لأي مقاومة مسلحة فعلية، وربما كان ذلك دلالة على هذا الصراع بين هوية وطنية تفرض المقاومة «وبخاصة لدى حزب له تنظيمه وتدريبه شبه العسكري»، وهوية عابرة للحدود اعتبرت تحرير الكويت من قبل القوى الأجنبية «مفسدة كبرى».
ويرى الوهيب أنه كان من الحري بالباحث عمل بعض المقابلات مع من عاصروا هذه الفترة للوقوف على بعض الشخصيات السياسية الكويتية في الداخل والخارج، إذ لا تزال هذه المواقف يشوبها الكثير من الغموض، كذلك يناقش المقال علاقة الجماعة بالفاعلين الخارجيين.
وقال الوهيب: فقد وُجهت إليها اتهامات بالتقارب التكتيكي مع إيران أو بالتعاطف مع أجندات إسلامية إقليمية تتعارض أحيانًا مع المصالح الكويتية.
وزاد: لا يذهب الباحث إلى القول بوجود تحالف استراتيجي، لكنه يؤكد أن هذه الشبهات عززت حذر الدولة وشكوك الرأي العام. وهكذا ظلت الجماعة تعيش في منطقة وسط: مقبولة كفاعل سياسي لكن دائمًا موضع تساؤل حول ولائها النهائي.

عرض وتعليق د. محمد الوهيب

By Published On: أكتوبر 13th, 2025Categories: مقالاتالتعليقات على بحث | جماعة الإخوان المسلمين في الكويت.. المسارات الأيديولوجية، مخاطر التطرف، وآفاق إعادة التأهيل مغلقة