
مقال | رؤية عقلانية متكاملة لأزمة الفقه وتجديد الأحوال الشخصية

د. علي الطراح
برفيسور علم الاجتماع بجامعة الكويت
تُعد أزمة الفقه في العالم الإسلامي إشكالية تاريخية عميقة، إذ لا تكمن المشكلة في النصوص نفسها، بل في طريقة قراءتها وتفسيرها. كثير من القراءات التقليدية تعتمد على عقليات جامدة ترى رأيها هو الأصح دائمًا، متجاهلة التغيرات الاجتماعية والثقافية، مما يخلق فجوة بين الفقه والواقع المعاصر.
من أبرز الأمثلة العملية على ذلك تحديث قانون الأحوال الشخصية في الكويت ضمن القراءة السلفية، الذي أضاف بندًا يقضي بأن خدمة الزوجة للزوج شرط لاستمرار الزواج، وأن الخلل في هذه الخدمة كما يراه الزوج يتيح له فسخ عقد الزواج. هذا يعكس تعزيزًا واضحًا للقيم الذكورية، ويظهر كيف يمكن للاجتهاد الفقهي أن يعكس الهيمنة الاجتماعية والتاريخية للذكور في بعض التفسيرات.
وفي هذا السياق، يجب الإشارة إلى أن قانون الأحوال الشخصية ليس اختصاصًا حصريًا للمشايخ أو رجال الدين، لأنه يمس جوانب متعددة من حياة الأسرة مثل حقوق المرأة والطفل، العلاقات الزوجية، والإدارة المالية للأسر. لذلك، يشترك في تطويره علماء القانون، المفكرون، علماء الاجتماع، والباحثون في حقوق الإنسان، إلى جانب الفقهاء، لضمان رؤية شاملة ومتوازنة.
كما أن التحريم والاجتهاد الفقهي نفسه يتأثر بشخصية المفسر وتكوينه النفسي والاجتماعي، وميله نحو الصرامة أو التساهل، ورؤيته للعالم. فبعض الفقهاء قد يحرم أو يسمح بفعل معين استنادًا إلى فهم تقليدي للنص، بينما يرى آخرون تفسيرًا مختلفًا، ما يوضح ديناميكية الاجتهاد الفقهي وتأثره بالسياق الاجتماعي والثقافي.
علاوة على ذلك، العلاقة بين المرأة والتشريعات الفقهية مرتبطة بموقف تاريخي واجتماعي من المرأة. فالكثير من القواعد المتعلقة بالزواج، الطلاق، الميراث، والعمل، لم تُبنَ فقط على النصوص الدينية، بل تأثرت بالأعراف الاجتماعية، بالعلاقات الاقتصادية والسياسية، وبالهيمنة الذكورية التي شكلت أدوار المرأة في المجتمع. ولهذا، نجد اختلافًا كبيرًا في تفسير النصوص المتعلقة بالمرأة عبر العصور والمجتمعات الإسلامية المختلفة.
لذلك، تقتضي الرؤية العقلانية للتجديد الفقهي والقانوني:
•الاعتماد على مقاصد الشريعة وروح النص، وليس الحرف فقط، لضمان العدالة والمصلحة العامة.
•مراعاة التكوين النفسي والاجتماعي للأفراد وظروف العصر، بما يحفظ كرامة المرأة ويحقق المساواة.
•اعتماد مرونة في تفسير الأحكام القانونية والشرعية لتواكب التغيرات الاجتماعية، بعيدًا عن تعزيز القيم الذكورية الجامدة.
•تشجيع الحوار الفقهي والاجتماعي متعدد التخصصات لإشراك المجتمع المدني، النساء، القانونيين، والمفكرين في صنع القرار، لضمان رؤية شاملة ومتوازنة.
بهذه الطريقة، يتحول تجديد قانون الأحوال الشخصية إلى نموذج عملي لتجاوز أزمة الفقه، حيث يصبح الفقه أداة عقلانية تحمي الإنسان والمجتمع، وتربط بين الدين والعصر بوعي وحكمة، مع إدراك أن الاجتهاد والتحريم متأثران بالشخصية الاجتماعية والنفسية للمفسر، وأن القوانين التقليدية قد تعكس الهيمنة الذكورية التاريخية، بينما المشاركة المتعددة التخصصات تضمن العدالة والمساواة وملاءمة التشريع للواقع المعاصر.






