
مقال | عقدة التأخير: لماذا لم تُجرّم بعض دول الخليج جماعة الإخوان حتى اليوم

د. محمد الوهيب
أستاذ مساعد بالفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت
يطرح القرار الأمريكي الأخير بشأن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية — في حال إقراره رسميًا — سؤالًا جوهريًا حول مدى تأثيره على دول الخليج التي لم تتخذ خطوة التجريم من قبل. ورغم أن لكل دولة خليجية سياقها السياسي والاجتماعي الخاص، فإن الواقع الذي قد تفرضه الولايات المتحدة سيخلق بلا شك مناخًا جديدًا من الضغوط المعنوية والدبلوماسية، وربما الأمنية، على هذه الدول لإعادة تقييم موقفها. ومع ذلك، لا يمكن القول إن دول الخليج ستغيّر سياساتها فقط لأنها تقع ضمن مناطق النفوذ الأمريكي؛ فالأرجح أنها ستستثمر اللحظة الدولية للقيام بما كانت تفكر به أصلًا: ضبط النشاط الحركي للجماعات الدينية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان.
إن تجربة الكويت على سبيل المثال تكشف عن أسباب عديدة تبرر التفكير الجاد في تجريم الجماعة: فهي حركة ذات ولاء تنظيمي يتقدّم على الولاء الوطني، وتعمل عبر خلايا سرية لا تنسجم مع مفهوم العمل السياسي العلني. وقد كشفت التجارب العربية المتعاقبة—وكذلك التجربة الكويتية—عن اختراق الجماعة لمؤسسات حسّاسة مثل التعليم، والنقابات، والجمعيات الخيرية، والبرلمان. كما تحوّلت الجمعيات التي تهيمن عليها الجماعة إلى أدوات ضغط سياسي تتمتع بقدرات مالية تراكمية خطيرة. يضاف إلى ذلك أن الفكر الإخواني قام على توظيف المشاعر الدينية لبناء نفوذ سياسي، وهو توظيف أدى إلى تشويه التدين الطبيعي وتقويض الاعتدال. والحقيقة التي يعرفها كثيرون هي أن الإخوان مثّلوا البيئة الفكرية التي خرجت منها الحركات الأكثر تطرفًا في المنطقة. الأخطر من ذلك هو امتداد التنظيم خارج الحدود الوطنية، ما يجعل القرار الداخلي عرضة لتوجيهات خارجية، وهو ما يتعارض مع مبدأ السيادة.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا تأخرت بعض دول الخليج في اتخاذ قرار التجريم؟ الجواب يكمن في تعقيدات السياسة الداخلية. فالإخوان يمتلكون امتدادًا اجتماعيًا قديمًا عبر العمل الخيري والدعوي والطلابي، ما جعل أي خطوة لتجريمهم تُقرأ أحيانًا بوصفها مواجهة مع جزء من النسيج الاجتماعي. وفي الكويت تحديدًا، لعب وجود البرلمان دورًا مهمًا في تأخر المواجهة، إذ كان للإخوان تأثير سياسي مباشر عبر الكتل والمرشحين والدعم الانتخابي. كما استخدمت الجماعة خطابًا دينيًا يُظهر أي إجراء ضدها وكأنه اعتداء على الدين نفسه، الأمر الذي جعل الحكومات تتحسّب من تكلفة الصدام معهم. إلى ذلك، فإن النفوذ التاريخي للجماعة داخل مؤسسات الدولة—وخاصة وزارات التربية والأوقاف والجامعات والجمعيات الخيرية—جعل المواجهة تتطلب إعادة هيكلة مسبقة كي لا يأتي القرار بنتائج عكسية.
أما عن مدى نفوذ الجماعة اليوم، فإن الإخوان ما زالوا يمتلكون قدرًا من التأثير في بعض دول الخليج التي لم تجرّمهم، لكنه نفوذ أقل بكثير مما كان عليه في العقود الماضية. فقد تغيّر المزاج الشعبي بعد 2011، وانكشف الخطاب الإخواني، وفرضت الدول رقابة أكبر على العمل الخيري والديني، ولكن ليس بالفدر الكافي في اعتقادي. اليوم لم يعد نفوذهم سياسيًا مباشرًا، بل يظهر عبر أفراد يحملون الأفكار ذاتها دون إعلان تنظيمي. وتبقى المشكلة الأساسية أن الجماعة ليست مجرد بنية تنظيمية، بل أفكار تتجدد وتُعاد إنتاجها. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية تبدأ على مستوى الخطاب، التعليم، والمجال الديني، عبر تفكيك هذا الإرث الفكري وكشف تناقضاته.
في هذا المشهد المتغير، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة خليجية جديدة تُوازن بين حماية الأمن الوطني واحترام الحريات، وتضع حدًا للتنظيمات العابر للحدود التي تستخدم الدين مطيّة لتحقيق أهداف سياسية تتعارض مع سيادة الدول واستقرارها.






