مقال | فن الوقوف في المنتصف: مشهد جديد لإخوان الكويت

د. محمد الوهيب

أستاذ مساعد بالفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت

في العام 1979 نشرت مجلة كويتية تابعة للإخوان المسلمين بيانا عن قيام قيادات التنظيم من دول عدة بزيارة طهران لتقديم التهنئة للخميني بمناسبة نجاح الثورة الإسلامية. في هذا اللقاء أكدت الحركات الإسلامية المشاركة في الزيارة بأنها “ستظل على عهدها في خدمة الثورة الإسلامية في إيران، وفي كل مكان بكل طاقاتها البشرية والعلمية والمادية.”

العلاقات بين التنظيم الدولي للإخوان المسلمين والنظام الإيراني قديمة جدا: من الناحية الفكرية والمصلحية، ومع مرور الزمن اتضح عمق وتشابك هذه العلاقات. اليوم، ومع القصف الإيراني المجنون لكل دول الخليج دون تمييز، يبدو أن الأنياب الإيرانية أصبحت مكشوفة للجميع؛ هذه الأنياب التي كان يحذر منها كل مواطنو مجلس التعاون، إلا المؤدلجون منهم بالطبع. مع اشتداد القصف الإيراني ازداد الاحراج على إخوان الكويت، فأرضهم تقصف من عدو، واخوتهم في المواطنة يتساقطون شهداء، إلا أن التحالف السياسي والفكري القديم لم يمكنهم من إصدار بيان شديد اللهجة يدين إيران بالاسم. أفاق إخوان الكويت بعد أيام من الحرب ببيان على استحياء، قوبل باستياء شعبي كبير. إلا أن هذا الموضوع كان له تبعاته على داخل التنظيم الكويتي: اجتماع بين قيادات الجماعة وعلى مستوى الأمانة العامة يحاول تقرير الاستراتيجية المتبعة في الرد على الهجوم الشعبي العارم عليها. قررت الجماعة “ألا تتم مقاطعة حماس، وألا يتم استنكار بيان التنظيم العالمي رسميا من خلال بيان”؛ القرار باختصار كان السكوت عن هذا الموضوع في الوقت الراهن بالنظر لاعتبارات عدة. من ناحية أخرى، تم الإيعاز لشخصيات كبيرة معروفة من التنظيم – نائبين سابقين –  بمخاطبة الشعب الكويتي مباشرة وانتقاد حماس والتنظيم الدولي. وسيلة اخونجية تقليدية في التعامل مع الأزمات: نحتفظ بعلاقتنا القوية مع حماس والتنظيم الدولي ونبرئ ساحتنا أمام الشعب الكويتي، وفي الوقت نفسه يتم التركيز على خطاب الوحدة الوطنية.

في اللحظات العادية، يمكن لأي جماعة أن تُدير خطابها بمرونة، أن تُناور، أن تؤجل الإجابات الصعبة. لكن في اللحظات الاستثنائية—حين تتعرض الدولة نفسها للخطر—تسقط كل الأقنعة. يصبح السؤال بسيطًا ومباشرًا: أين تقفون؟ الخطاب المرن، المناورات، التقية السياسية، اللعب على الحبلين…. اعتدنا عليه من الأخوان. التاريخ علمنا أن مشكلتهم ليست أبدا في القول بل في المصداقية؛ أتقنوا فن التكيّف الخطابي دون أن يدفعوا ثمنًا عمليًا. لذلك، القضية اليوم ليست “ما يقولون”، بل: ماذا هم مستعدون أن يفعلوا؟

إذا كان إخوان الكويت جادون بالفعل في تحولهم، فهناك مجموعة من الأسئلة الواضحة التي لا تحتمل المراوغة:

هل سيعلن إخوان الكويت انتقادهم وشجبهم الصريح والرسمي لجماعة حماس والتنظيم الدولي، وقطع علاقتهم به نهائيًا؟

هل سيعلنون أن جميع التبرعات من المنظمات الخيرية التابعة لهم ستذهب إلى السلطة الفلسطينية الشرعية في الضفة، بدلًا من حماس؟

هل سيكشفون بشفافية عن قنوات التمويل السابقة المرتبطة بحماس أو غيرها من التنظيمات المسلحة؟

هل سيقرّون بأن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة—بما فيها حماس—كان خطأً سياسيًا وأخلاقيًا؟

هل سيطالبون علنًا بنزع سلاح جميع الميليشيات غير الحكومية في المنطقة، دون استثناءات أيديولوجية؟

هل سيصدرون بيانًا صريحًا يدين أي اعتداء إيراني على دول الخليج، دون تبرير أو صمت انتقائي كما حدث سابقًا؟

هل سيعترفون بأن صمتهم تجاه إيران، رغم سجلها المعروف في المنطقة، لم يكن حيادًا بل انحيازًا أيديولوجيًا؟

هل سيعلنون رفضهم استخدام القضية الفلسطينية كأداة سياسية لخدمة مشاريع تنظيمية عابرة للحدود؟

هل سيعلنون بوضوح أن العمل السياسي يجب أن يكون داخل إطار الدولة فقط، لا عبر تنظيمات سرية أو شبكات موازية؟

هل سيقدمون مراجعة فكرية علنية لأدبيات الجماعة التي طالما وضعت “التنظيم” فوق “الوطن”؟

هل سيعترفون بأن خطابهم السابق ساهم في تضليل بعض الشباب، ودفعهم نحو التعاطف مع مشاريع أضرت باستقرار أوطانهم؟

هل سيعلنون دعمهم الكامل للسلطة الفلسطينية كممثل شرعي، بدل دعم كيان مسلح ينازعها الشرعية؟

هل سيوافقون على منع أي نشاط داخل الكويت مرتبط بالتنظيم الدولي للإخوان؟

وأخيرًا، هل سيعتذرون للشعب الكويتي عن أي مواقف سابقة تجاهلت أمنه، أو بررت—بصمت أو خطاب ملتبس—استهداف دولته؟

هذه ليست شروطًا تعجيزية. هذه الحد الأدنى لأي جماعة تريد أن تقنع الناس بأنها وضعت الوطن أولًا، فعلًا لا قولًا.

اليوم، لا أحد يطلب من إخوان الكويت أن يغيروا قناعاتهم الفكرية بين ليلة وضحاها. المطلوب أبسط من ذلك بكثير: أن يثبتوا، بقرارات واضحة، أن الكويت ليست مجرد محطة… بل هي الأصل.