مقال | مؤثرو الأمس ومؤثرو اليوم: فجوة أجيال أم فجوة أخلاق؟

د. خالد مهدي

أستاذ مشارك في جامعة الكويت، الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية

صورة تاريخية من أوائل القرن العشرين تجمع نخبة من العلماء، كثير منهم حائزون على جائزة نوبل، ممن أسهمت أعمالهم في تشكيل أسس العلم الحديث، وبأسفلها صورة معاصرة لمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي يتابعهم الملايين في العصر الرقمي. تعكس الصورة الأولى زمنًا كان فيه التأثير يُبنى على العمق الفكري والاكتشاف والإسهام المستدام، بينما تعكس الثانية واقعًا أصبح فيه التأثير يُقاس بالظهور والسرعة وحجم التفاعل. هذه المقارنة لا تُجسّد مجرد اختلاف في الأشخاص، بل تكشف عن تحول عميق في كيفية تعريف المجتمعات للتأثير ومعايير منحه، وتطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن نتقدم في قدرتنا على تشكيل العقول، أم نكتفي بتسريع قدرتنا على جذب الانتباه؟

في كل مرحلة تاريخية، كانت المجتمعات تُنتج “مؤثريها” بما يعكس طبيعة أدواتها، وسقف وعيها، ومنظومة قيمها. غير أن المقارنة الشائعة اليوم بين مؤثري الأمس ومؤثري الحاضر تُطرح غالبًا في إطار ثنائي مبسّط: عمق مقابل سطحية، أو أخلاق مقابل انحراف. لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فنحن لا نقف أمام اختلاف بين جيلين بقدر ما نعيش تحولًا بنيويًا في منظومة التأثير نفسها. في الماضي، لم يكن التأثير متاحًا للجميع. كان طريقه يمر عبر مسارات طويلة من التعلم والتجربة والتراكم المعرفي، لذلك كان “المؤثر” غالبًا عالمًا، أو مفكرًا أو أديبًا أو قائد رأي. لم يكن تأثيره سريعًا، لكنه كان عميقًا ومستدامًا، يترك أثره في تشكيل الوعي الجمعي على المدى الطويل. كان التأثير يُبنى على المصداقية، ويُقاس بقدرته على إحداث تغيير حقيقي في الفكر والسلوك. أما اليوم، فقد أعادت المنصات الرقمية تعريف التأثير من جذوره. لم يعد العمق شرطًا للصعود، بل أصبح الوصول هو المعيار الحاكم. عدد المتابعين، حجم التفاعل، وسرعة الانتشار تحولت إلى مؤشرات رئيسية، حتى وإن كان المحتوى لحظيًا أو عابرًا. وهنا انتقلنا من منطق “التأثير المعرفي” إلى منطق “اقتصاد الانتباه”  Attention Economy، حيث تُقاس القيمة بقدرة المحتوى على جذب الجمهور، لا بقدرته على تطويره.

هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجعًا أخلاقيًا عامًا، لكنه كشف عن تغير جوهري في معايير الصعود. ففي حين كان النجاح في السابق نتيجة لمسار طويل من البناء، أصبح اليوم نتيجة لقدرة عالية على التكيّف مع خوارزميات المنصات. ومع هذا التغير، ظهرت أنماط من التأثير السريع الواسع، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى العمق والاستدامة. في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الطبائع البشرية قد تغيّرت. لم يعد المتلقي ينتظر خطابًا مطولًا أو تحليلًا معمقًا، بل يبحث عن محتوى سريع، مباشر، وسهل الهضم والابتلاع دون مضغ. هذا التحول في الطلب أعاد تشكيل العرض ونوع الغذاء، فأصبح التأثير عملية تفاعلية بين صانع المحتوى والمتلقي، تحكمها سرعة الإيقاع أكثر مما يحكمها عمق الفكرة.

من هنا، فإن اختزال الظاهرة في “فجوة أجيال” أو “فجوة أخلاق” يُفقدنا القدرة على فهم التحدي الحقيقي. القضية ليست في الأشخاص، بل في نموذج التأثير الذي نعيد إنتاجه يوميًا. فالمجتمعات التي تسمح بسيادة التأثير السطحي لا تعاني فقط من ضعف في المحتوى، بل من خلل في منظومة الحوافز التي تحدد من يرفع على الأكتاف ومن يداس بالأقدام. فان التحدي اليوم لم يعد في المفاضلة بين مؤثري الأمس ومؤثري الحاضر، بل في القدرة على بناء نموذج جديد يجمع بين ميزتين أساسيتين: عمق المحتوى واتساع الوصول. فالتأثير العميق بلا انتشار يظل محدود الأثر، والتأثير الواسع بلا عمق يظل هشًا وعابرًا. المطلوب هو إعادة توجيه البوصلة نحو تأثير قادر على الجمع بين القيمة والانتشار، بين الفكرة والوصول، وبين الحاضر والمستقبل.

وهنا يبرز دور السياسات العامة، والمؤسسات التعليمية، والمنصات الرقمية في إعادة تشكيل بيئة التأثير بوصفها مسؤولية استراتيجية، من خلال الانتقال من الحياد إلى توجيه الحوافز نحو المحتوى المعرفي، وربط الدعم بالقيمة لا بالانتشار فقط، وإعداد جيل قادر على إنتاج المعرفة والتأثير بها بلغة العصر، لا مجرد استهلاكها. وفي المقابل، تتحمل المنصات مسؤولية إعادة توازن خوارزمياتها التي لا تعكس ذوق الجمهور فحسب، بل تعيد تشكيله، بما يمنح المحتوى العميق مساحة عادلة. فتمكين “المؤثرين المعرفيين” ليس ترفًا، بل ضرورة لإعادة التوازن لمنظومة التأثير، بحيث يصبح العمق ميزة تنافسية، ويغدو التأثير أداة لبناء الوعي لا هدمه.

نحن لا نحتاج إلى استعادة نموذج الأمس، ولا إلى الاستسلام لنموذج اليوم، بل إلى صياغة نموذج ثالث يتجاوزهما معًا. نموذج يجعل من التأثير أداة للتقدم، لا مجرد انعكاس للحظة.

المعادلة واضحة: قيمة التأثير تُقاس بقدرته على دفع المجتمع نحو المستقبل، لا بحجم حضوره في اللحظة.