مقال | عنزة وإن طارت .. قواعد وإن أغلقت

د. سعد بن طفلة

كاتب وأكاديمي ووزير الإعلام السابق في الكويت

بفبراير الماضي، وقبل أيام من اندلاع الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، قام علي لاريجاني -أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني- بجولة خليجية شملت قطر وعمان والإمارات العربية المتحدة. كان محملا برسالة شكر من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران -علي خامنئي- لرفض هذه الدول استخدام قواعدها العسكرية من قبل القوات الأمريكية، وطلبهم من القوات الأمريكية مغادرة هذه القواعد أثناء الهجمات على الجارة إيران. وأضاف أنه تثمينا لهذه المواقف الشجاعة فإن إيران تَعِدُ بألّا تقوم بمهاجمة دول الخليج العربية طالبا نقل الرسالة لجميع هذه الدول. في الساعات الأولى لانطلاق الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، قامت إيران بقصف الدول الخليجية الست دون استثناء بشكل سافر غير مسبوق.

يحكى أن رجلين اختلفا حول مخلوق بدا لهما عن بعد، فقال أحدهما بأنه نسر كبير، بينما أصر الثاني على أنه عَنْزة، فلما اقتربا طار المخلوق، فقال من ظن أنه عنزة: “عنزةٌ وإن طارت”، فصار قوله مثلا.
تقول إيران أنها تهاجم حصرا القواعد الأمريكية بالخليج لأن الهجوم عليها ينطلق من هذه القواعد، وعلى الرغم من أنها لم تقدم دليلا واحدا على صدق ادعاءاتها، ورغم أن الكويتيين أسقطوا ثلاث طائرات اف-15 أمريكية بأول أيام القتال كدليل غير مقصود لعدم التنسيق بالهجمات مع القوات الجوية الأمريكية، فإن إيران لاتزال تهاجم دول الخليج بنفس الذريعة.

مجلس الأمن بقراره رقم 2817 الذي صدر يوم 11 مارس الماضي بإجماع الأعضاء وامتناع روسيا والصين، أدان الهجمات الإيرانية واعتبرها اعتداءات واختراقا للقانون الدولي وعلاقات حسن الجوار، أي أن مجلس الأمن لم يعتبر الاعتداءات الإيرانية على جيرانها العرب حقا مشروعا بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول الأعضاء حق الدفاع عن النفس حال تعرضها للهجوم.

وزاد على ذلك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نفسه، حيث اتصل ببداية الحرب بعدد من الدول الخليجية مثل قطر وعمان واعتذر لهما بسبب تلك الاعتداءات، فلو كانت تلك الاعتداءات حقا مشروعا ودفاعا عن النفس، فلماذا يعتذر رئيس دولة عن فعل مشروع وحق أقرته الشرائع الدولية؟
ثم نأتي لسؤال آخر: إن كانت إيران توجه صواريخها ومسيراتها التي بلغت حوالي 4000 صاروخ ومسيرة على القواعد الأمريكية بالخليج والأردن فقط، فلِمَ لم تقتل جنديا أمريكيا بهذه القواعد؟ والإجابة بسيطة: لا يوجد جنود أمريكيون بهذه القواعد لأن دول الخليج طلبت تفريغها منهم قبل الهجوم على إيران رفضا من هذه الدول للحرب من أساسها؟

ويطرح سؤال آخر نفسه: لو قسمنا أربعة آلاف صاروخ على عشر قواعد عسكرية أمريكية بدول الخليج والأردن، فسينال كل قاعدة 400 صاروخ ومسيرة، وهذا العدد يفترض أنه يكفي للقضاء على قدرات هذه القواعد وانطلاق الهجمات منها والقضاء على كافة الجنود الأمريكيين فيها! فلماذا تستمر إيران باعتداءاتها إن كانت قد دمرت تلك القواعد؟ والإجابة في أن إيران لا تستهدف القواعد وحسب، بل تستهدف البنى التحتية والمدنية الخليجية مثل مصافي النفط والمطارات المدنية والمباني المدنية ومستمرة في عدوانها.

الحقيقة التي أظهرها العدوان الإيراني على دول الخليج هو أن إيران كانت تبيت النية لضرب دول الخليج يوما ما، ولكن الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي “لخبط” التوقيت الذي كانت تنشده إيران، ودليل ذلك أن حوالي 85 بالمائة من مسيرات وصواريخ إيران وجهتها لدول الخليج والأردن، والباقي توجه نحو إسرائيل، كما أن 70% من مدى صواريخ إيران لا يتجاوز 400 كيلومتر، وهو دليل آخر واضح بأن مديات هذه الصواريخ للوصول إلى الضفة الغربية من الخليج العربي فقط، وليس الوصول إلى إسرائيل.

مهما ساق الواحد من الدلائل والأرقام والحقائق من أن إيران تعمدت العدوان على دول الخليج بنية مسبقة، وليس بذريعة القواعد الأمريكية الواهية، فستبقى الحقائق بالنسبة لأتباع إيران وولائييها والمغيبين والسذج: “عنزةٌ وإن طارت”!