مقال | «سارق الفرح»

عامر ذياب التميمي

مستشار وباحث اقتصادي

منذ بداية الحرب في الثامن والعشرين من شهر فبراير (شباط)، يشعر الناس في منطقة الخليج بالقلق، نتيجة للاعتداءات الإيرانية السافرة بالصواريخ والمسيرات، والتي أدت إلى استشهاد عدد من أفراد القوات العسكرية وآخرين، وإصابات بين أفرادها، ناهيك عن الأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية والمدنية والمطارات، وغيرها من مرافق حيوية في مختلف بلدان المنطقة. هذه الحرب، التي نشبت في شهر رمضان المبارك من هذا العام، عطلت مظاهر التواصل الاجتماعي والفرح بالتلاقي المعتادة في الشهر الفضيل. لاشك أن الإيرانيين، أيضا، عانوا من الحرب، وتعطلت مظاهر الحياة الطبيعية لديهم، حيث لم يتمتعوا بعيد النيروز الذي صادف خلال شهر مارس (آذار)، لكن هؤلاء الإيرانيين ظلوا يعانون من أوضاع سياسية وأمنية واقتصادية قاتمة.
الحرب ليست متعة، وهي لا تسعد الأطراف أو المنخرطين فيها، وهناك امكانيات لوقفها، إذا هيمن الفكر العقلاني بين متخذي القرارات. النظام الحاكم في إيران انخرط بنزاعات مؤلمة على مدى السبعة والأربعين عاماً الماضية. كانت الحرب العراقية الإيرانية النزاع الأطول، وإن كان صدام حسين هو الذي بدأها، ولكن حكام إيران أصروا على استمرارها، بالرغم من كل امكانات وقفها، والوساطات التي بذلت من بلدان خليجية وعربية أخرى، ومن بلدان إسلامية وغيرها من دول. الفكر الذي ساد آنذاك اعتمدوا فيه على تفسيرات غيبية وغير منطقية، ولا تمت للواقع بصلة. دفع الإيرانيون والعراقيون ثمناً باهظاً، وارتفعت أعداد الضحايا، وتدمرت الأوضاع الاقتصادية في البلدين. لكن ظلت حكوماته ظل يحاول أن يصدر مفاهيمه، ويعزز حضوره في بلدان عربية، من خلال ميليشيات محلية متعاطفة ومتعاونة معه، بما أثار قلق شعوب وحكومات هذه البلدان. نحن في الكويت عانينا من تدخلات مؤلمة، منها التفجيرات خلال الحرب العراقية الإيرانية، والتي شملت سفارات أجنبية ومنشآت ومدارس وتفجير مقاه شعبية، وخطف طائرات وقتل عدد من ركابها، ومحاولة آثمة لاغتيال المغفور له الشيخ جابر الأحمد أمير البلاد في عام 1985. لم تتوقف محاولات التخريب والإرهاب، وتم الكشف عن خلية العبدلي في عام 2015، والتي ضمت عدداً من الأفراد، ومنهم مواطنون، الذين ارتبطوا تنظيمياً بـ«حزب الله» اللبناني المحظور. وقد ضُبطت بحوزتهم أسلحة وذخائر، ووجهت لهم اتهامات المساس بأمن الدولة. الكويت كانت دائماً تتعامل بموجب القوانين السارية مع مثل هذه الجرائم الصعبة. الاعتداءات الأخيرة على البلاد ودول الخليج من قبل قوات النظام الإيراني، وكشف الخلايا النائمة التي كانت تخطط لأعمال تخريبية وإرهابية، تؤكد أن هذا النظام لا يمكن أن يكون مسالماً ويكسب ثقة الكويتيين على مدى زمني طويل حتى تتغير الأوضاع في إيران.

الآثار المدمرة لم تقتصر على الكويت وبلدان الخليج، بل شملت العراق الذي خضع لسطوة عملاء إيران منذ عام 2003، حيث تتحكم الميليشيات ، وتنتقم من المعارضين، وتعمل على تفشّي الأفكار والقيم البدائية والخزعبلات في أوساط المجتمع العراقي. أما لبنان فحدّث ولا حرج، بعد أن أخضع لسطوة «حزب الله»، الذي دفع إسرائيل لشن هجمات مستمرة على مختلف أنحاء لبنان، خصوصاً الجنوب وبيروت، بما رفع مستوى الدمار وارتفاع أعداد القتلى والجرحى، ناهيك عن النازحين.

هناك طروحات وأفكار تدور في أذهان عدد من مثقفي الخليج، كيف ستكون العلاقات مع إيران بعد نهاية هذه الحرب؟ لابد أن تكون الدول الخليجية حاضرة في أي تسويات، ولا بد من التأكيد على أمن دول المنطقة دون استثناء. أيضاً، يجب إعادة النظر مع الدول العربية، التي وقفت على الحياد في هذه المحنة، ولم تعر أمن الخليج أي اهتمام، وفرح عدد من أبنائها بالأضرار والضحايا التي حدثت في دول المنطقة. لابد من أعادة النظر بالعلاقات مع مختلف البلدان العربية، وتحديد المواقف بموجب تحريات شاملة عن المواقف من الحكومات والنخب والاعلاميين. لا يمكن أن نعتمد سياسات «عفا الله عمّا سلف»، كما جرى بعد تحرير الكويت من الاحتلال العراقي الغاشم عام 1991. أهمية التأكيد على التوافق الاستراتيجي بين دول الخليج بكل ما يتعلق بالسياسات الأمنية والاقتصادية والاعلامية، وتعزيز الحلفاء، الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي.

By Published On: مايو 4th, 2026Categories: مقالات0 Comments on مقال | «سارق الفرح»