
مقال | من آدم إلى اليوم… الغدر لا يتغيّر، فقط يتطوّر

أحمد غازي العبدالجليل
متخصص في تحليل الأسواق المالية العالمية
منذ بداية الخلق، لم يكن الصراع الإنساني مع الطبيعة فقط، بل مع النفس. فالقصة الأولى للإنسان لم تبدأ بالإنجاز، بل بالاختبار. اختبار القيم أمام الرغبات، والحق أمام الغرائز. في تلك اللحظة الأولى، لم يكن السؤال: ماذا سيبني الإنسان؟ بل: على أي أساس سيبني؟
حين قتل قابيل أخاه هابيل، لم تكن تلك أول جريمة فقط، بل أول خيانة للثقة. لحظة كسر فيها رابط الأخوّة، وتحوّل الحسد إلى فعل. لم يكن ذلك رفضًا لشخص، بل رفضًا لمبدأ، ورفضًا للعدل ذاته، وللفكرة التي تقوم عليها العلاقة بين البشر. هنا ولد الغدر في صورته الأولى: ليس كفعل عابر، بل كاختلال في الميزان.
ومع مرور الزمن، لم يختف الغدر، بل تغيّر شكله. في المجتمعات البدائية، كان مباشرًا وصريحًا، أما مع نشوء الدول والحضارات، فأصبح أكثر تعقيدًا. لم يعد الغدر فعلًا فرديًا فقط، بل تحوّل إلى أداة تستخدم في السياسة، وفي بناء السلطة، وحتى في إدارة الصراعات. لم يعد يمارس في الظل فقط، بل أصبح أحيانًا جزءًا من قواعد اللعبة.
التاريخ مليء بأمثلة تظهر أن أقسى أنواع الغدر لا تأتي من الأعداء، بل من الأقربين. اغتيال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو في محرابه، تبقى من أشد الصور قسوة. حيث جاءت الطعنة من خلفه، من شخص كان يقف في الصف نفسه. هنا لا يكون الغدر خيانة فرد، بل سقوطًا للمعنى، حين يتخفّى الخلل في هيئة التزام. كما أن اغتيال يوليوس قيصر على يد حلفائه لم يكن مجرد حادثة سياسية، بل كشف لحقيقة متكررة: أن الثقة، حين تمنح في غير موضعها، تتحول إلى ثغرة.
لكن لفهم الغدر، لا يكفي تتبّع أحداثه، بل يجب التوقف عند لحظته الداخلية. فالإنسان لا يغدر دائمًا بدافع الشر المطلق، بل غالبًا ما يكون مدفوعًا بالخوف، أو الطمع، أو الغرور، أو الشعور بالتهديد. في لحظة ضغط، قد يبرر لنفسه ما كان يرفضه سابقًا، لا لأنه تغيّر فجأة، بل لأنه أعاد تعريف ما يفعل. هنا لا يبدأ الغدر بالفعل… بل بالتبرير. وحين يقنع الإنسان نفسه أن الخطأ ضرورة، يتحول الغدر من استثناء إلى خيار متاح.
في العصر الحديث، لم يختف الغدر، لكنه أصبح أكثر هدوءًا وأكثر احترافًا. لم يعد دائمًا صدمة مباشرة، بل قد يأتي على شكل التزام مؤجل، أو وعد مؤجل، أو موقف يتغير دون إعلان. في العلاقات، وفي بيئات العمل، وحتى في التفاعلات اليومية، أصبح الغدر أحيانًا قرارًا بلا مواجهة، وخسارة بلا ضجيج.
ورغم ذلك، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: أن الغدر، مهما بدا ذكيًا في لحظته، يخصم من صاحبه أكثر مما يضيف له. لأنه لا يهدم العلاقة فقط، بل يهدم القدرة على بناء علاقة لاحقًا. وما يبنى على اختلال، لا يحتاج إلى سقوط مفاجئ… يكفيه أن يفقد تماسكه تدريجيًا.
وفي علم النفس، يشار إلى ذلك بما يعرف بـ“عبء الخائن”، حيث يعيش من يغدر تحت ضغط داخلي مستمر، وحاجة دائمة للتبرير، وفقدان تدريجي للثقة، ليس في الآخرين فقط، بل في نفسه أيضًا. كأن الغدر لا ينتهي عند ضحيته… بل يستمر داخل من ارتكبه.
في المقابل، الذي يصمد أمام الغدر لا يخرج أقوى فقط، بل أوضح. لأنه يتعلم أن يمنح الثقة بوعي، لا بعمى، وأن يميّز بين من يستحق القرب ومن لا يستحقه. ويدرك أن قيمته لا تقاس بوفاء الآخرين له، بل بثباته هو على مبدئه، حتى حين يكون الثمن صعبًا.
من آدم إلى اليوم، لم يتغير جوهر الغدر، بل تغيرت أدواته وأساليبه. هو انعكاس لصراع داخلي لا ينتهي بين ما نعرف أنه صحيح، وما نريده لأنفسنا. لكن في النهاية، لا يقاس الإنسان بلحظات ضعفه، بل بقدرته على أن لا يحول تلك اللحظات إلى قرارات.
فالتاريخ لا يحفظ لحظة الغدر… بل يحفظ الموقف منها.
ولا يتذكر من غدروا… بقدر ما يتذكر من صمدوا.




