مقال | هل يفقد “كارتل” النفط بريقه؟

م.حمد الفواز 

 مهندس معماري وكاتب

استخدم الاقتصاديون والدبلوماسيون الأمريكيون منذ السبعينيات مصطلح “الكارتل” التقليدي خاصة بعد حظر النفط العربي عام 1973، لوصف منظمة أوبك كمجموعة دول تنسق خفض الإنتاج لرفع الأسعار، تماماً مثل الكارتلات الصناعية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر التي تقسم الحصص وتمنع المنافسة، بتنسيق صارم وعقوبات داخلية لسيطرة شبه كاملة على العرض والطلب العالمي على النفط.

أعاد ترامب إحياء المصطلح وضخ فيه زخماً سياسياً منذ 2018. فكان يكرر في تغريداته أن أوبك “تعبث بالأسعار” ويهاجمها باعتبارها تضر بالمستهلك الأمريكي. بالنسبة له، لم يعد الموضوع اقتصادي بحت بقدرما أصبح جزءً من خطاب “أمريكا أولا”، فكان يروّج بلماذا تدافع الولايات المتحدة عسكرياً عن دول الخليج، ثم تدفع أسعاراً أعلى للنفط؟ بهذه الطريقة، تحوّل النقاش من تحليل اقتصادي إلى قضية شعبية وسياسية.

لو رجعنا خطوة للخلف، نجد أن أوبك تأسست عام 1960 بهدف تنسيق الإنتاج وضمان استقرار الأسعار. أما أوبك+ التي ظهرت عام 2016، فهي تحالف أوسع يضم دولاً من خارج أوبك أبرزها روسيا و أذربيجان وعمان والبحرين وكازاخستان. فكرتها كانت مواجهة التحديات الجديدة، وعلى رأسها صعود النفط الصخري الأمريكي. باختصار أوبك هي النواة، وأوبك+ هي الشبكة الأكبر والأكثر مرونة.

بعد إعلان دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها من أوبك وأوبك+ بدءًا من 1 مايو 2026، يظهر سؤال مهم .. ماذا يعني خروج لاعب نفطي كبير من هذا التحالف؟ القرار لم يأت في وقت عادي، بل وسط توترات حادة مرتبطة بمضيق هرمز وأزمة طاقة عالمية. لذلك، من الصعب اعتباره مجرد قرار فني مفصول عن واقع المنطقة الملتهب، فهو أقرب إلى إعلان واضح بأن بعض الدول باتت تفضل حرية قراراتها الإنتاجية الخاصة على الالتزام بتنسيق جماعي طويل الأمد.

على المدى القريب، قد لا يظهر الأثر بوضوح بسبب اضطرابات الإمدادات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز، لكن على المدى الأبعد فالصورة مختلفة، حرية أكبر للإمارات في زيادة الإنتاج تعني ضغطاً على الأسعار، وتقلبات أعلى في السوق العالمي. وبالتالي فإنها تضعف قدرة المنظمة على فرض تخفيضات منسقة مدروسة، بخروجها كثالث أكبر منتج في أوبك ودولة تمتلك قدرة احتياطية نفطية كبيرة.

الأثر لن يتوقف عند السوق العالمية فقط. فقد يفتح هذا القرار باب منافسة أوسع بين المنتجين، وهو ما قد ينعكس على إيرادات دول مثل الكويت والسعودية والعراق وغيرها. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل جانب آخر فهذه الخطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو التركيز على المصالح الوطنية وتسريع مسار التنويع الاقتصادي.

في المقابل، تقرأ الخطوة في واشنطن بطريقة مختلفة تماماً، فهناك من يرى فيها تعزيزاً غير مباشر لشعار “أمريكا أولاً” ، لأنها قد تساهم في زيادة المعروض عالمياً، وبالتالي تخفيض الضغط على أسعار الوقود، وهو ما يدعم أيضاً صناعة النفط الصخري الأمريكي.

في النهاية، يذكرنا هذا التحول بأن المصالح الوطنية لها وزنها المهم، لكن المصير المشترك لاستقرار سوق الطاقة أهم وأكثر استدامة. إذا يغلب التنسيق الذكي والمرن على التنافس الحاد، ويستفيد الجميع ولو بنسب متفاوتة. أما إذا غلبت الحسابات الضيقة، فالجميع قد يدفع الثمن بتقلبات أكبر ومستقبل طاقة أقل استقراراً، وهو آخر ما يحتاجه العالم ودول الخليج الآن.